لقاء الكهنة في 20 / 21 حزيران 2016 “خطوطُ القوة بمثابة خارطة الطريق”

Sayedna

البطريرك لويس روفائيل ساكو

لقاؤنا كأساقفةٍ وكهنةٍ كلدان في العراق، في رحابِ المعهدِ الكهنوتيّ البطريركيّ في بلدة عينكاوة / أربيل 20-21 حزيران 2016، وفي مقرِّ البطريركيّة الصَيفيّ، عودةٌ واعيّةٌ الى ينابيعِ إيمانِنا، وجذورِ كنيستِنا الأصيلة، لتجديدِ تعلقِنا بالمسيح، والتزامِنا بخدمةِ المحبة، وسطَ ظروفِنا الراهنة، والإستثنائيّة الصعبة، حيثُ تملَّك الخوفُ والقلقُ على مسيحيينا ومواطنينا.
لقاؤنا هذا نَضَعُهُ تحت أنظارِ اُمِّنا مريم العذراء، بصلاةٍ خاشعةٍ، وتأملٍ عميقٍ في إيمانِها ومحبتِها، وانفتاحِها وخدمتِها ورجائها، للاقتداءِ بها.

هذا اللقاء فرصةٌ متميزةٌ لنقرأ معاً بنور الروح القدس واقعَنا، ونُقَيِّم على ضوئه رسالتَنا وأداءَنا، وننفتح على احتمالاتٍ جديدة، لإعطاء شعبنا المسيحي المتألم، دفعةَ رجاء وثقة، نابعة من الإنجيل المنغرس في أرضنا التي ضمَّختها دماءُ شهدائنا. انه دربٌ روحيٌّ طويلٌ وراءَ يسوع.

مؤمنونا طيّبون ينتظرون مِنَّا تغييرات: روحيّة، وراعويّة تتلاءَم مع ظروفِهم، لتنعكس عليهم حتى يصمدوا، ويواصلوا تاريخَهم ورسالتَهم بشجاعة، ويمدوا الجسورَ مع مواطنيهم بدل الانطواءٍ والانكفاء، ويعززوا التعاون والعيش المشترك. هذا الهمّ علينا ان نحمله في ضميرِنا وقلبِنا بحزمٍ وعزمٍ، لكي نؤسّس لمرحلةٍ مُهِمَّة من التجديد والانتعاش، والوحدة فيُعطي كنيستَنا في العراق دفعةً إنجيليّة وراعويّة في التعليم والتنشئة والخدمة والمرافقة والإرشاد والاحتفال بالأسرار والصلاة بحيث تغدو كنيسةً حاضرةً: مؤثرةً ومتأثرةً، أي قادرة على توجيهِ هذا الواقع الى الله، إله الحياة والقيامة والتجدد "قيمةا وحي،ـ،،ا وحودةا" كما هو شعار ها.

ولله الحمد، ثمّة نخبةٌ متحسسةٌ للوجع، ومتحمسةٌ للخدمة، والقيام بشيء جميل! من هذا المنطلق أدعو الجميع للارتقاء إلى مستوى المسؤولية والاحداث، ويسرني ان أقدِّمَ بعض خطوط القوةّ التي أراها أساسيَّة في تجديدِ تعهدِنا والتزامِنا.
أولا: تجديد تكريسنا للمسيح. يجب ان يحتلّ المسيح الصدارة في قلبِنا وتَوَجُّهِنا وخدمتنِا، هذا التعهد يحتِّم علينا ان نجسده على أرض الواقع، وبحسب ظروف العراق الحاليّة. هذا التعلق يتطلب منَّا جديّة ومتابعة وتأوينا مستمراً، اميناً وشَفَّافاً، نُغَذِّيه، ونُغنيهِ بصلاتنا الجماعيّة والشخصية: "ليس على الأرضِ ما هو أعزّ على الله من راهبٍ جاثٍ على الارضِ يُصلي دائمًا"1، هذه هي باختصار روحانيّة الكاهن. حذار من "فراغ القلب".

ثانيا: رسالتُنا المسيحية هي قضيّتُنا، وخدمتُنا انجيليّة غير مشروطة، خدمةٌ طوعيّةٌ وليست وظيفيّة، خدمةٌ ينبغي ان تكونَ صادقةً وممتلئةً من نورِ الله حتى تمسَّ قلوبَ مؤمنينا ومواطنينا في محنة التهجير والقلق بين العودة أو الهجرة. فالهجرة تجعل بلدنا مجرد خبر، وتُذَوِّب تقاليدَنا وقيمَنا وتراثَنا شيئاً فشيئا!

ثالثا: الوقوف الى جانبِ شعبِنا في معاناته، والتضامن معه، وتقديم العون له في مختلف حاجاتِه، لابدَّ ان يبقى بابُنا مفتوحًا امام الكلّ بصبرٍ جميلٍ واصغاءٍ أبوي ووجهٍ مبتسم، لاسيما مع المتألمين والمعوزين؛ لا يمكننا ان ننفصل عن الجماعة، فنحن منهم ولهم. يقول البابا فرنسيس: "ليكون [الكاهن] قريبًا من الناس الذين أوكلهم الله إليه بواسطة الكنيسة. لا يستثني أحدًا من قلبه وصلاته وابتسامته. بنظرة مُحبّة وقلب أب يقبل ويدمج ويؤدّب. هو خادم للشركة التي يحتفل بها ويعيشها، بصبر يُصغي إلى المشاكل ويرافق خطوات الأشخاص ويمنح المغفرة الإلهيّة بشفقة وسخاء"2.

رابعاً: لا نستغنيَنَ عن المؤمنين “الكنيسة"، أي الجماعة المسيحية الملتفة حول يسوع والتي تمتع بـِ “كهنوت ملوكيّ"3 لذا لا يمكن حصرُ رسالة الانجيل والخدمة بشخص البطريرك أو الاسقف أو الكاهن. كلنا شركاء ومسؤولون عن سير الكنيسة وتقدمها. لذا يتوجب علينا ان نُدمج العلمانيين من كلا الجنسيين في رسالة الكنيسة وتعليمها وخدمتها، وبحسب النعمة المعطاة لكل واحد منهم، والتآزر معاً من خلال المجالس واللّجان، والنشاطات الثقافيّة والتربويّة والخيريّة والاجتماعيّة لنشر الانجيل وبناء الملكوت.
خامساً: لا ننسى مجانيّة الاسرار. الاسرار لا تُباع ولا تُشترى، هي عطايا الله للجميع. على الكاهن ان ينفح صلواتِها بمسحةٍ روحيّةٍ عميقةٍ وجذّابةٍ. وان يتحرر من الأمور الماديَّة، ويعيش زاهداً ومتفرغاً لخدمة رسالتِه التي هي هوِيتُه! فيدخل بالتالي في حركةِ السرّ الفصحيّ، و "التاريخ المقدس".

سادساً: رسالة الكنيسة معاصرة دوما. الكنيسة جماعةٌ حيّة تدركُ ان لها رسالة، تحمل في طيّاتها نفحة التجديد، فبشرى الانجيل هي لكل انسان في كل زمان ومكان. إني لا اقصد تجديداً سطحياّ، انما أقصد التجديدَ الرصين والأصيل كما رسمه بقوّة المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني (وثيقة سرّ الكنيسة). طقوسُنا فيها اصالة، لكنها بسبب تقادم الزمن عليها (معظمها يعود الى القرنين السابع والثامن الميلادي) بحاجة الى التجديد، والتأوين حتى يفهمها مسيحيو اليوم وينجذبوا اليها، وتساعدهم على عيش معانيها. يجب ألاّ نخاف من التجديد فهو سنَّةُ الحياة. يقول البابا فرنسيس: "الجديد" يُخيفنا، وكذلك أيضاً الجديد الذي يقدمه الله لنا، الجديد الذي يطلبه منا. أننا نخاف من مفاجآت الله. دعونا ألا نُغلق أنفسنا أمام الجديد الذي يريد الله تقديمه في حياتنا"4. هناك من يفكر ويكتب بان النص الطقسي لا يمكن ان مسّه. هذه عقلية متعصبة لا تتماشى مع الانجيل الذي يشدد على ان: "السبت من اجل الانسان"5. فلا يمكن ان تكون صلاتُنا أسيرةَ نص واحدٍ معيّن!

سابعاً: الارتقاء فوق الخلافات، اننا نمر بمرحلة صعبة، فهي من باب أولى تتطلب الوحدة.
لذلك ينبغي ترك خلافاتِنا، وتنقية فكرنا ونهجنا وتعلم العِبر من اخطائنا لنعيش مع بعضنا البعض بروح جماعيّة -وليس جنباً الى جنب -وبمحبة. فالمحبة انفتاحٌ يحرر من الكبرياء والانانيَّة ومن المتراكَم في داخلنا. هذا الانفتاح الواعي اهتداءٌ يساعد كلَّ واحدٍ منا على فهمِ قابلياته وضعفه وعطبه، ويثبته في التواضع ومعرفة الجميل، حينها سيغدو تكاملاً خصباً، لذلك يلزم ان نشتغل على ذاتنا، وننشئ قلبَنا تنشئة مستدامة، وبثقافة متجددة، ونهذّب طبعنا حتى نعيش بسلام مع ذواتنا ومع من نخدمهم ونغدو لهم مثالا يُحتذى به!

أحيانا اسمع يُقال عني أنى قاسٍ، لكن أما نحتاج الى السلطة (وليس التسلّط / الاستعلاء/الاستحواذ) حتى يأتي التوازن -النضوج؟ خصوصًا في مجتمعٍ كمجتمعنا يميل الى الحرية – الفوضى / الطبع المستقل، العاطفة (حتى الرحمة) وحدها لا تربّي ولا تبني!
مطلوب منّا بصفتنا اباء ورعاة ان نمارس كلماتِ اللياقة والتشجيع والاعجاب مع من نعمل معهم او نلتقي بهم مثل: شكرا، من فضلك، أحسنت "برافو".

ثامناً: مراجعة الذات بشأن الفوقية. من المؤسف انه يوجد اليوم كما في السابق اشخاص في الكنيسة يعتقدون انهم فوق الكل، وينتقدون كلّ شيء، ويعدّون كلمتَهم فاصلة، هؤلاء الأشخاص أسرى ذواتهم، يُتعبون أنفسهم ويعرقلون العمل! ندعوهم الى مراجعة الذات وتحريرها من "الأنا"! لان الكبرياء انغلاق – موت، بينما التخلِّي عن الذات انفتاح على نِعم الله واملاءٌ منه! يقول يسوع: "من رفع نفسه وضع، ومن وضع نفسه رفع6. لنتأمل في تحذيرات البابا فرنسيس من الانسياق وراء السلطة (الكراسي) والمال والتباهي والكبرياء7.

تاسعًا: الكهنة وأسقفهم، أوتار وقيثارة. ان حالات مغادرة بعضِ الكهنة لأبرشياتهم ولجوئهم الى الغرب أمر محزن جدّاً، نأمل الاّ يتكرر. إني أتقدم بالشكر الجزيل الى غالبية كهنتنا الشَهمين الذين بَقوا صامدين مع أساقفتهم ومؤمنيهم بأمانة، بالرغم من الظروف المؤلمة. وأدعوه الى الالتفاف حول اسقفهم في أداء رسالتهم وخدمتهم وتنسيق النشاطات معه كما يوصي اغناطيوس الانطاكي: "عليكم ان تكونوا برأي واحد مع أسقفكم في كلّ ما تفعلونه. وارتباطكم به كارتباط الاوتار بالقيثارة"8 لأن الاسقف هو ضامن الوحدة والساهر على الأبرشية. ادعوهم الى تعزيز العلاقة الابوية والبنوية المبنية على الثقة والطاعة والحب من خلال التقاسم والخدمة والتعاون.

في الوقت عينه يكون الأساقفة مدعوين سواء في الرقعة البطريركية أو في بلدان الإنتشار، الى تعميق الوحدة مع البطريرك، ليجدوا فيه كلٌ من زاويته "الأب والرأس"، فيلتفوا حوله، ويحملوا معه همّ الكنيسة، وتطلعاتِها في التثقيف والتنشئة الروحية، والتنظيم والعمل المؤسساتي، من خلال المشاركة المسؤولة في السينودس الذي يُقوي المجمعيّة، ويوطِّد روابط الشركة والوحدة

ختاماً: لنتعلم من خبرة البابا فرنسيس الذي يخاطب الكلّ ببساطته، وتواضعه ودفء محبته، كاشفًا وجهَ مسيح الانجيل، بصوته وحياته، لنقتدي به في خدمة المسيح بفكر ونهج جديدين، وبحثٍ مستمر عن اشياء جديدة نخدم بها اخوتنا، ونقدم لهم العون، في ظلّ ما يعيشونه من تعب وفقر وقلق حتى تبقى كنيستنا شاهدة إلى الأبد على محبة المسيح ورحمته وقيامته.
____
1 إبراهيم النثفري، لويس ساكو، اباؤنا السريان، ، دار المشرق، بيروت 2012، ص253.
2 الخطاب الى الكهنة السبت 4/6 بمناسبة اشتراكهم بيوبيل الرحمة.
3 ابط 2/9.
4 عظة عشية عيد ال قيامة 31/3/2013،
5 مر 2/26.
6 مت 23/12.
7 الخطاب 17/5 في مصلى بيت القديسة مرتا،
8 اعناطيوس الشهيد عام 107 أفسس 4/1

 

 

المصدر / موقع البطريركية الكلدانية

 

شاهد أيضاً

التبشير عنوان لقاء الشبيبة الكلدانية في أوربا

التبشير عنوان لقاء الشبيبة الكلدانية في أوربا اللجنة المنظمة للقاء تحت شعار “الويل لي ان …

اترك تعليق

  Subscribe  
نبّهني عن