آراء متنوعة

كيف نواجه المجرمين الجدد؟

«تشهد البلاد فى هذه الآونة تزايداً حاداً لأشكال مختلفة من العنف الجنسى فى العالم الرقمى، لا سيما العنف القائم على الصور، فى وقت تهيمن فيه الأنشطة الرقمية على مساحة جديدة من حياتنا يوماً بعد يوم.. إننا فى حاجة ماسة إلى مزيد من الاهتمام بمكافحة العنف الجنسانى الرقمى».

عندما تقرأ العبارة السابقة، فإنك قد تعتقد للوهلة الأولى أنها تخص مصر، وأن هذا الحديث يجرى عن مجتمعنا الذى يشهد -راهناً- عدداً من الحوادث الصادمة، التى تختلط فيها مشكلات نابعة من ثقافتنا التقليدية، ونزوعنا الذكورى، ووضع المرأة غير العادل، والضغوط التى تتعرض لها، مع صعود هائل للرقمنة، بمصاحبة قابلية كبيرة لتطويعها لارتكاب الجرائم المتعلقة بانتهاك الخصوصية والابتزاز والاستخدامات المسيئة.

لكن عند التدقيق، سيظهر أن تلك العبارة استهدفت الواقع الألمانى؛ فقد أصدر «الاتحاد الألمانى لمراكز المشورة النسائية»، فى الأسبوع الماضى، بياناً اشتكى فيه من شيوع أنماط الابتزاز والتنمر الإلكترونى، وانتقد عدم قدرة أدوات المساءلة وأطر العدالة على إنزال العقاب بطائفة من المجرمين الجدد الذين يستغلون العالم الافتراضى لارتكاب مثل تلك الجرائم.

سيمكن إذاً أن تقرأ مثل تلك العبارة فى مجتمع مثل ألمانيا، وهو أمر يتكرر أيضاً فى العديد من البلدان الغربية بسبب الصعود الكبير لأنشطة الابتزاز الإلكترونى القائم على الصور الحقيقية أو المصطنعة، وهى أنشطة تستهدف عادة تحصيل عوائد مالية أو جنسية من بعض المستخدمين، وبخاصة المراهقون والنساء.

وفى الأسبوع الماضى أيضاً كنا فى مصر على موعد مع حادثة صادمة تتعلق بانتحار فتاة مراهقة بعدما تعرضت لابتزاز، عبر الوسائط الرقمية، باستخدام صور عارية منسوبة لها، وهو الأمر الذى أخفقت فى معالجته والثبات فى مواجهته، خصوصاً بعدما عجزت عن إقناع أسرتها بدعمها، وافتقدت أى مرفق أو إطار قادر على مساعدتها.

وفى مصر، كما فى بلدان أخرى كثيرة من العالم، تدفع حوادث التنمر السيبرانى والابتزاز الإلكترونى والبلطجة «السوشيالية» الناس إلى الانتحار، وقد تهدم حياتهم وتزلزل أركانها.

ويتفق باحثون متخصصون على أن كلمة السر فى ازدياد تلك الحوادث على المستوى العالمى ليست سوى «التنمر السيبرانى» Cyber Bullying، الذى يستهدف خصوصاً الشباب فى تلك الشرائح، الذين لا يمتلكون القدرة والحماية اللازمة لمواجهة الضغوط المتولدة عنه. ثمة عديد الإيجابيات لاستخدام شبكات «التواصل الاجتماعى» لليافعين؛ ومنها التفاعل، وبناء العلاقات الجديدة، وتوسيع المدارك، والتبادل الثقافى، والحصول على المعلومات، واستيفاء المتطلبات الدراسية، لكن فى المقابل هناك سلبيات ومخاطر بدأت تقلق مراكز البحوث والحكومات، بعدما بات مستقراً فى النسق البحثى والمعرفى المتعلق بتلك المواقع، أنها «قادرة على أن تتحول إلى منصة للتنمر»، وأن «التنمر مرتبط بالسلوك الانتحارى» لدى شرائح اليافعين، كما يؤكد «المركز الأمريكى للوقاية من الإصابة».

ويُعرَّف «التنمر السيبرانى» باليافعين بأنه محاولة لاستغلال تقنية الاتصالات والمعلومات للوصول إلى أهداف إجرامية بحق صغار السن، عن طريق الرسائل العدوانية، والإفصاح عن المعلومات ذات الطبيعة الحساسة، وتعمد الإهانة، والسخرية، والمضايقة، والإحراج. ويصف بعض الباحثين «التنمر السيبرانى» بأنه نوع من «البلطجة الإلكترونية»، التى تتضمن وسائل شتى؛ منها التسخيف، وإرسال الصور الإباحية، وتركيب الصور عبر وضع وجه المُتَنمَر به على جسد عارٍ أو جسم حيوان، وغيرها من الممارسات، التى تؤكد الدراسات أن 42% من اليافعين الناشطين على مواقع «التواصل الاجتماعى» يتعرضون لها.

يعتقد الباحثون على نطاق واسع أن «العزلة» العائلية التى يسببها الانخراط فى أنشطة «السوشيال ميديا» للمراهقين، والتى تبقيهم بعيدين عن أعين أوصيائهم، أحد أهم أسباب تفاقم أثر الضغوط والتهديدات الآتية عبر تلك المواقع؛ إذ تشير دراسات موثوقة إلى أن 4 من أصل كل 6 من الأهل ليست لديهم أى فكرة عما يفعله أولادهم على «الإنترنت» فى الولايات المتحدة، وأن 50% من المراهقين الذين يستخدمون الشبكة فى أوروبا لا يتمتعون بأى إشراف أو رقابة من الوالدين.

إن تلك الحوادث تقع باطراد فى مصر وفى غيرها من بلدان العالم، لكن ما يجعل الأمر أكثر صعوبة فى مجتمعنا أننا نعتمد أفكاراً تقليدية وميراثاً متراكماً يجعل وضع المرأة أو الفتاة أصعب، بحيث تفقد عند تعرضها لمثل تلك الحوادث التعاطف والمساندة، فضلاً عن المساعدة القانونية اللازمة، بل إن الأنكى من ذلك أنها تتحول فى معظم الحالات إلى جانية حتى ولو كانت ضحية.

نحتاج إلى ورشة وطنية كبيرة للتوعية بمخاطر الاستخدامات المسيئة للعالم الرقمى، عبر التركيز على أنشطة التنمر والابتزاز والتزييف التى تحفل بها تلك المنصات الرائجة. كما ينبغى أن نوفر المزيد من الأطر القانونية والاجتماعية الفعالة من أجل تقديم المساعدة والمشورة للمستهدفين بأنشطة الابتزاز الإلكترونى، على أن يتم تدريب العاملين والمتطوعين فى تلك الأطر والمرافق تدريباً راقياً، يقوم فى الأساس على اعتماد بروتوكولات للحماية وضمان السرية فى مجتمع يتسم بالشراسة والفضول الشديدين عندما يتعلق الأمر بفضيحة ذات طابع جنسى بطلتها امرأة. فى الكثير من البلدان المتقدمة توجد آلاف المراكز المتخصصة فى تقديم المساعدة القانونية والنفسية والاجتماعية اللازمة فى مثل تلك الحالات، وهو الأمر الذى ما زلنا نفتقده فى مصر.

ومن جانب آخر، سيكون من الضرورى ممارسة ضغوط قانونية وإدارية على مشغلى «الإنترنت» والشركات المالكة لمواقع «التواصل الاجتماعى»، بما يضمن قيامها بوضع قيود على نشر المحتوى الذى يستهدف الابتزاز، والتزامها بإزالة المحتوى الذى ينتهك خصوصية الناس.

نقلا عن الوطن

جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

 

الكاتب

ياسر عبد العزيز

عنوان المقال

كيف نواجه المجرمين الجدد؟

نقلا عن العربية نت

Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
التقيمات المضمنة
عرض جميع التعليقات

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
0
التعليق على هذا المقال - شاركنا رأيك x
()
x

يستخدم موقعنا الإلكتروني ملفات تعريف الارتباط وبالتالي يجمع معلومات حول زيارتك لتحسين موقعنا (عن طريق التحليل) ، وإظهار محتوى الوسائط الاجتماعية والإعلانات ذات الصلة. يرجى الاطلاع على صفحة سياسة الخصوصية الخاصة بنا للحصول على مزيد من التفاصيل أو الموافقة عن طريق النقر على الزر "موافق".

إعدادات ملفات تعريف الارتباط
أدناه يمكنك اختيار نوع ملفات تعريف الارتباط التي تسمح بها على هذا الموقع. انقر فوق الزر "حفظ إعدادات ملفات تعريف الارتباط" لتطبيق اختيارك.

وظائفيستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط الوظيفية. ملفات تعريف الارتباط هذه ضرورية للسماح لموقعنا بالعمل.

وسائل التواصل الاجتماعييستخدم موقعنا الإلكتروني ملفات تعريف الارتباط الخاصة بوسائل التواصل الاجتماعي لعرض محتوى تابع لجهة خارجية مثل YouTube و FaceBook. قد تتعقب ملفات تعريف الارتباط هذه بياناتك الشخصية.

أعلاناتيستخدم موقعنا الإلكتروني ملفات تعريف ارتباط إعلانية لعرض إعلانات الجهات الخارجية بناءً على اهتماماتك. قد تتعقب ملفات تعريف الارتباط هذه بياناتك الشخصية.