اخبار عربية وعالمية

كيف تحسن مهاراتك في التنبؤ بالمستقبل وفق المؤشرات الحالية؟

لندن- (بي بي سي):

تمتلئ الصحف والبرامج التلفزيونية ومواقع التواصل الاجتماعي بآراء وتعليقات المحللين والخبراء، الذين يدّعون أنهم يمكنهم توقع ما قد يحدث مستقبلا. وقد تصدق توقعاتهم أحيانا، وتخطئ أحيانا أخرى.

لكن هل يمكن لشخص مبتدئ أن يتعلم التنبؤ بمآلات الأحداث العالمية بناء على المؤشرات والاتجاهات الراهنة، وأن تكون توقعاته أكثر دقة من توقعات الخبراء المحنكين؟ وكيف يمكن استخدام مهارات التفكير المنطقي في الحياة اليومية؟

كانت هذه التساؤلات موضوعا لبحث أجرته هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) بالتعاون مع مؤسسة “نيستا” للابتكار وشركة “غود جادجمنت”، التي كانت وليدة مشروع عن أفضل تقنيات التنبؤ بالمستقبل.

ودشن الفريق البحثي مشروع “تحدي التنبؤ بالمستقبل”، الذي شارك فيه القراء لتوقع مآلات الكثير من الأحداث العالمية الراهنة، مثل التكهن بأداء الاقتصاد البريطاني بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي. وفي الفترة من يونيو إلى أكتوبر، طُلب من المشاركين التنبؤ بقيمة الجنيه الإسترليني مقابل اليورو في الأول من نوفمبر 2019، بالاختيار بين عدة احتمالات.

واحتسبت النتائج باستخدام صيغة تسمح بمكافأة المشارك الذي يختار الاحتمالات الصائبة، ومعاقبة من يختار احتمالات خاطئة، مع الأخذ في الاعتبار درجة الصعوبة ومستوى الأداء مقارنة بالمشاركين الآخرين.

وشارك في هذا التحدي الآلاف، وصنف فيه المشاركون بحسب دقة تنبؤاتهم. وتحمل النتائج الكثير من الدروس التي قد تساعد في تحسين مهاراتك في التنبؤ بتبعات الأحداث السياسية أو اتخاذ قرارات حكيمة في فهم العالم من حولك.

كانت توقعات المبتدئين أكثر دقة مقارنة بالخبراء

سُئل المشاركون في البداية عن خبرتهم في استقراء المستقبل. وعلى عكس التوقعات، كان أداء المبتدئين أفضل من أداء الخبراء.

وقد يرجع ذلك إلى أن بعض الناس يسيؤون تقدير خبراتهم، إذ كان المشاركون يقيمون خبرتهم بأنفسهم، وربما كان لدى بعض المشاركين، الذين ذكروا أنهم خبراء في التنبؤ، معرفة محدودة بمهارات الاستدلال الاحتمالي أو لديهم خبرة بسيطة في التكهن بما قد يحدث مستقبلا.

ويصف علماء النفس هذه الحالة بأنها “تأثير دانينغ كروجر”، الذي يعرف بأنه نزوع الأشخاص ذوي المهارات المحدودة إلى المبالغة في تقدير مهاراتهم. ويميل الأشخاص الذين يعتقدون أنهم خبراء إلى أن يكونوا أقل تقبلا لآراء الآخرين ووجهات نظرهم وأقل استعدادا للتعلم من الآخرين مقارنة بالأشخاص الأكثر تواضعا.

وتقول أليكساندرا بيرديتشفسكايا، كبيرة الباحثين بمركز “نيستا” للذكاء الجماعي، إن “هذه النتائج مشجعة لأي شخص يرغب في فهم كيفية استخدام هذه المهارات لفهم التغيرات التي تطرأ على العالم من حوله، حتى لو لم يكن لديه أي خبرة في التكهن بالمستقبل”.

الشباب تفوقوا على كبار السن

وكما لم تسهم الخبرة في تحسين القدرة على التنبؤ، كذلك لم يكن التقدم في العمر دليلا على رجاحة العقل عند استقراء المستقبل. إذ كشفت نتائج تحدي التنبؤ بالمستقبل عن أن الشباب المنتمين للفئة العمرية من 25 إلى 35 عاما، كانت توقعاتهم أكثر دقة مقارنة بسائر الفئات العمرية.

وقد تعكس هذه النتائج الاختلافات المعروفة بين الأجيال في التفكير النقدي والتمييز بين المعلومات الصحيحة والزائفة. إذ أشارت دراسة أجراها باحثون من جامعتي برينستون ونيويورك إلى أن احتمالات الانخداع بالمعلومات الزائفة ونشرها تزيد كلما تقدم بنا العمر. إذ كان كبار السن الذين تفوق أعمارهم 65 عاما أكثر ميلا لنشر المعلومات الزائفة بنحو سبع مرات مقارنة بالشباب من سن 18 إلى 29 عاما.

وخلصت دراسة أجرتها مؤسسة “بيو للأبحاث” إلى أن كبار السن يجدون صعوبة في التمييز بين الحقائق وبين الآراء الشخصية. وربما يكون المشاركون الأصغر سنا يبنون توقعاتهم على معلومات موضوعية ويتجاهلون البيانات المضللة.

وتقول بيرديتشفسكايا إن المصادر التي نستقي منها المعلومات تغيرت كثيرا عن السابق، وترى أن الأجيال التي نشأت في هذه البيئات الحديثة ستكون أكثر قدرة على اختيار المصادر الموثوق بها للمعلومات.

ويشير وارين هاتش، الرئيس التنفيذي لمؤسسة “غود جادجمنت”، إلى أن القدرة على حل المشكلات الجديدة دون الاعتماد على المعلومات السابقة، تقل مع التقدم في السن. وربما كانت هذه المهارة أهم من الخبرة التي نكتسبها مع مرور الوقت.

ويرى هاتش أنه من الأفضل تكوين فرق من الشباب والمسنين معا، للاستفادة من تنوع المهارات المعرفية في حل المشكلات.

واللافت أن تنبؤات المشاركين من الولايات المتحدة عن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي كانت أكثر دقة من تنبؤات نظرائهم من المملكة المتحدة. وربما يعود السبب في ذلك إلى أن الآراء التي بنى عليها الأمريكيون تنبؤاتهم كانت أقل تحيزا واستقطابا ولهذا كانت إجاباتهم أكثر موضوعية.

كيف تحتل المراتب العشر الأولى

يقول نايجل ألدرتون، أحد المشاركين في التحدي ويعمل في مجال تكنولوجيا المعلومات، إنه لم يكن يعرف شيئا عن مجال التنبؤ إلا بعد أن قرأ كتاب “التنبؤ فائق الدقة” لفيليب تيتلوك، أحد مؤسسي مشروع “غود جادجمنت”، وأثار هذا الكتاب شغفه لتعلم المزيد عن التنبؤ بالمستقبل. وقد شارك في هذا التحدي من باب حب الاستطلاع.

واستمتع ألدرتون بالتحدي الفكري الذي دفعه للبحث في موضوعات جديدة والتنبؤ بالنتائج، وساعدته الأسئلة عن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في إمعان التفكير في الأحداث التي تستحوذ على عناوين الأخبار. ويقول: “شعرت أنني أشارك في صنع القرار، بدلا الصياح أمام التلفاز”.

ويقول ألدرتون إن أحد الأسئلة عن تقييم مدى احتمالات وقوع سبعة أحداث مختلفة ذات الصلة بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، استغرق وقتا طويلا. وحلل بعض أفضل المشاركين، ومنهم ألدرتون، فرص وقوع كل احتمال من الاحتمالات وكانوا يغيرون تنبؤاتهم بناء على ما يستجد من معلومات.

وحل ألدرتون في المرتبة الخامسة، وينصح المبتدئين بالتعمق في البحث عن كل موضوع واستكشاف الفرضيات البديلة لنتائج الأحداث قبل الإجابة. وعندما طُلب منه تقدير حالات الحصبة في الولايات المتحدة في عام 2019، لم يفته أن الحصبة مرض موسمي، وعدّل تقديراته وفقا لذلك.

كيف يحسن التواضع تفكيرك

وكان الشغف والفضول هما الدافع الذي حث توماس داش، الذي حل في المرتبة 43، من بين 7000 مشارك، على المشاركة في هذا التحدي. ويقول داش: “أعشق الأسئلة التي أتعلل بها للبحث في موضوع لا أعرف عنه إلا القليل”. والأهم من ذلك، أنه سيكافأ نفسيا إذا كانت الإجابة صحيحة، ولن يتعرض للضغط النفسي لو كانت خاطئة.

ويقول داش إنه تعلم رحابة الأفق، التي تعد من المهارات الضرورية للتكهن بمآلات الأحداث الراهنة، من عمله السابق في برمجة الكمبيوتر. ويقول إن كل برنامج جديد يحتوي على فيروسات، وإذا تجاهل المبرمج الأمر وتعامل بغرور وإصرار سيُفضح أمره.

وينصح داش بالتواضع، والاعتراف بالخطأ مبكرا، وعدم المكابرة وإصلاح الخطأ.

ويقول إن الكثير من المشروعات كانت تتطلب منه الاستماع لآراء الآخرين لتخيل الطرق التي سيستخدم بها النظام والصعوبات التي قد تنشأ، وكان عليه أن يرى الأشياء بعيون الآخرين، وهذه المهارات يستخدمها المحللون عند صياغة الفرضيات والتوقعات.

المشاعر الجارفة التي اعترت الناس أثناء التصويت في استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، قد تكون أثرت على توقعات الناس حيال نتائج الأحداث الرئيسية

وقد سُمح للمشاركين بالتحدث إلى المتنافسين لتبادل الأفكار معهم. ويشدد ألدرتون وداش على أهمية التزام الأدب ودماثة الخلق عند محاورة الآخرين. ويقول ألدرتون إنك قد تتعلم شيئا منهم حتى لو كنت تختلف معهم في الرأي.

ويرى ألدرتون أنك لو جادلت شخصا أو أبديت ملاحظة على توقعاته بأسلوب مهذب، ستحصل منه على إجابة أفضل قد تستفيد بها في تحسين توقعاتك، كأن تؤكد له مثلا أنك لا تنتقده شخصيا.

وخلصت دراسة أجرتها بربرا ميلرز، من جامعة بنسلفانيا، إلى أن المشاركين في منافسات التوقع بنتائج الأحداث الراهنة يتبنون آراء أكثر اعتدالا من غيرهم، وربما يرجع ذلك إلى أنهم يرون الأمور بعيون الآخرين ويبحثون عن المعلومات التي تخالف آراءهم وفرضياتهم.

ويقول ألدرتون إنه يجالس الآن الناس الذين يختلفون معه في الرأي ليستمع إلى وجهات نظرهم، لأنه يستفيد من رؤيتهم للأمور.

ولعل التخلي عن التحيز والتعصب الأعمى هو أكثر ما نحتاجه في الوقت الراهن. وإذا كنت شغوفا بالتعلم والاستكشاف، ومتواضعا وواسع الأفق، فهناك الكثير من التحديات الأخرى على موقع “Good judgment open” التي قد تسهم في تحسين مهاراتك في التنبؤ بتطورات الأحداث الراهنة.

 




 

مصدر الخبر

0 0 تصويت
1 تقييم المقال 5

مقالات ذات صلة

Subscribe
نبّهني عن
0 تعليقات
التقيمات المضمنة
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
0
التعليق على هذا المقال - شاركنا رأيك x
()
x
إغلاق