آراء متنوعة

كولن باول.. رحلة الصعود والندم

مات كولن باول منذ عدة أسابيع، ولاحظت أنه لم يكن هناك اهتمام إعلامى به.. رغم أن باول كان رئيس الأركان أثناء حرب تحرير الكويت عام 1991.. وكان وزير الخارجية أثناء الحرب الكارثية على العراق عام 2003، وكولن باول ربما كان أحد اثنين فى التاريخ الأمريكى شغلا منصب رئيس الأركان ثم منصب وزير الخارجية.

جاء أبوه مهاجرًا من جامايكا بالبحر الكاريبى ليستقر فى أحياء نيويورك الفقيرة، غالبية سكانها أمريكيون من أصل إفريقى، ومن بينها حىّ هارلم الشهير.

لم يكن فى مقدوره أن يدخل جامعة من الجامعات المتميزة فى أمريكا التى تعرف بـ «Ivy League» فدخل إلى «State College» جامعة حكومية فى نيويورك، وبالتالى عرف طريقه إلى الالتحاق بالجيش الأمريكى «سلاح المشاة» ليس من خلال التخرج فى الكلية الحربية الشهيرة West Point، بل من خلال الالتحاق بنظام الضباط الاحتياط فى الجامعة الحكومية بمنطقة نيويورك التى دخلها ليدرس الجيولوجيا.. وعندما تخرج ضابطا فى سلاح المشاة الأمريكى ذهب فى أوائل الستينيات إلى الحرب فى فيتنام، فأبلى فيها بلاءً حسنا، فحصل على فترة تدريب بالبيت الأبيض، كانت هى الفاتحة فى رحلة صعوده.

وعندما ذهبت سفيرا بواشنطن وبدأت زيارات التعارف التى كان من بينها وزير الدفاع واينبرجر، كان «العميد» كولن باول هو الذى يسجل ما دار فى اللقاء بيننا، وكان مرتديا زيه المدنى باعتباره يشغل وظيفة «مدنية» حتى وإن كانت فى وزارة الدفاع.

بدأت رحلة صعود كولن باول عندما وقعت أحداث فضيحة إيران كونترا عام 1986 وخروج مجموعة ماكفارلين بويندكستر من مجلس الأمن القومى.. ليعهد الرئيس ريجان إلى السيناتور السابق هوارد بيكر بأن يتولى منصب رئيس هيئة موظفى البيت الأبيض.. فيعهد بيكر إلى كولن باول بمنصب مستشار الأمن القومى، وكانت تلك نقلة مهمة فى مسيرته فى واشنطن.

تتالت بعد ذلك الخطوات سريعا بنجاح الرئيس جورج بوش «الأب» رئيسا للولايات المتحدة، الذى كان يعرف باول منذ كان مستشارا للأمن القومى، ليختار باول رئيسا للأركان.. ثم يأتى الغزو العراقى للكويت فى أغسطس 1990 وتأتى حرب تحرير الكويت.. ويتألق فيها رئيس الأركان كولن باول.. ليصبح فى عيون الأمريكيين فى منزلة بطل الحرب war hero، وليكتب سيرته الذاتية «My American Journey»، لينجح هذا الكتاب نجاحا باهرا ويصبح من أعلى مبيعات الكتب آنذاك.. وعندما جلست لأكتب سيرتى الذاتية بعد خدمتى فى واشنطن كان أمامى نموذجان: نموذج كتاب جيمس بيكر وزير الخارجية الذى كتب كتابا تقليديا، ونموذج كولن باول الذى خصص جزءا كبيرا منه لمرحلة النشأة والجذور.. وقد اخترت النموذج الثانى أى نموذج باول.

بنهاية خدمته العسكرية، أصبح باول نجما ساطعا فى المجتمع، وحاول الحزب الجمهورى أن يستقطبه ليرشحه للرئاسة، ولكنه رفض، ولم يكن هناك من سبب لرفضه سوى أن أسرته، وخاصة زوجته «ألما»، لم تكن تحب أن تخوض هذه التجربة لما كان ممكنًا أن يتعرض له فى معتركها الانتخابى.. ولكن مع ذلك ظل باول ملء السمع والبصر فى الحياة الأمريكية العامة، وظلت مقولات باول تشكل جانبا مهما من الفكر الاستراتيجى الأمريكى فيما يسمى بعقيدة باول «Powell’s Doctrine»، ومن أهم هذه المقولات مقولته بأنه «لا يجب اللجوء إلى الحرب إلا كخيار أخير» Last Resort.

ثم جاء جورج بوش الصغير ونائبه تشينى، الذى أصبح هو القوة التى تحرك سياسات بوش الصغير الخارجية، ويعرض بوش على باول منصب وزير الخارجية… ويقبل باول «المنصب»… ثم لا يلبث أن تدور عجلة الأحداث دورة أخرى… فتأتى أحداث الحادى عشر من سبتمبر… وتعيش أمريكا لحظة تسودها مشاعر الانتقام… كانت الرغبة فى الانتقام لما جرى تسبق أى حسابات أخرى.. وكان تشينى ومجموعته المحيطة به رامسفيلد وزير الدفاع، وولفنسون وكيل الدفاع والعقل المدبر، وكانت هذه المجموعة مهووسة بغزو العراق وإسقاط صدام حسين والسيطرة على العراق وثروته البترولية.. تلك كانت سياسة الرئيس ونائبه تشينى وبطانته، التى بدأت عملية تزوير وتلفيق للتهم وخلق صورة ذهنية لصدام بأن لديه أسلحة دمار شامل… رغم أن المفتشين لم يكونوا قد وجدوا أى دليل على ذلك… ولكنها العجلة الأمريكية وتأثيرها الإعلامى الهائل.

وكان باول تساوره الشكوك فيما يُدفع به إليه كبيانات… وكان من هذه البيانات ذلك البيان الذى أُعد ليلقيه بمجلس الأمن فى الخامس من فبراير عام 2003.. ليدلل فيه على أن صدام يمتلك أسلحة دمار شامل… ألقى باول للأسف هذا البيان المفبرك الذى كان من بينه ما قاله عندما أمسك بأنبوبة صغيرة ليقول إن الأنبوبة هذه المادة الكيماوية القاتلة من بين أسلحة الدمار الشامل.

كنت فى نيويورك فى هذا اليوم، ورأيت باول وهو يلقى هذا البيان.. وسألت نفسى: أين باول الذى ينادى بأن الحرب لا تكون إلا الخيار الأخير؟.. هل تخلت عنه أفكاره ومعتقداته، أو تخلى هو عن هذه الأفكار التى طالما نادى بها؟!… كنت مقتنعا شخصيا بأن هناك عملية تلفيق كبرى تجرى لإعداد هذه البيانات، وأثق بأنه كان لابد أنه تساوره الشكوك فى صحتها.

أعتقد أن هذه ربما كانت من أصعب اللحظات التى قابلها باول فى حياته السياسية… وقد قال فيما بعد إن بيانه فى مجلس الأمن كان بقعة قائمة على صفحته البيضاء.

منذ تلك اللحظة، فقد باول هذا البريق الذى تربى عليه كجندى على إطاعة الأوامر… ولكنه فى الواقع لم يكن جنديا فى هذه اللحظة… لقد كان وزيرا للخارجية..!!.

لقد رأيت أحد العناوين فى الصحف هنا يشير إلى أن باول كان «عراب» حرب العراق.. وشخصيًا، أعتقد أن عراب حرب العراق هو تشينى وليس باول.. الذى استغل شعور الرأى العام الأمريكى بالرغبة فى الانتقام، ليمرر ما كان يتحرق إليه شوقا وهو غزو العراق وإسقاط صدام حسين… وجاء هذا البيان الذى ألقاه باول والذى كان مبنيا على التلفيق والأكاذيب، وهو ما تندّم عليه بعد ذلك.

فى هذه الفترة، جاء القرار الأمريكى بغزو أفغانستان قبل غزو العراق، الذى لحق بها بعد عام أو عام ونصف، فى أحداث الحادى عشر من سبتمبر، وأن لديه أسلحة كيميائية وبيولوجية.. يومها قلت لمن أعرفهم من الأمريكيين: أرجوكم لا تذهبوا إلى العراق، ستندمون لو فعلتم.. وهو نفس ما قلته محذرًا من غزو أفغانستان، ولكن هذه المجموعة التى أحاطت بـ«بوش الصغير» كانت مصممة على إدخال أمريكا فى حرب مع كل من أفغانستان والعراق.. واليوم، ننظر إلى النتائج الكارثية التى سببها غزو هذه البلدين… تسليم أفغانستان لطالبان… أما العراق فهناك إيران صاحبة النفوذ الأكبر اليوم فى العراق.

وأعود إلى كولن باول الذى لم أره منذ غادرت منصبى فى واشنطن فى يوليو 1992… وأفكر فى هذا الجانب الدرامى فى حياة باول.. بقدر ما كانت رحلة صعود باول رحلة أسطورية يجسدها كتابه «رحلتى الأمريكية».. حتى تنتهى بتلك اللحظة المأساوية التى سيظل الناس يذكرونه بها… وهى اللحظة التى ألقى فيها بيانه الكاذب فى مجلس الأمن يوم 5 فبراير 2003 وزال القناع أو زالت هذه الهالة التى أحاطت بباول فى رحلة صعوده لتنتهى بهذه الصورة.

هل كان يستطيع باول أن يستقيل لأنه كان متشككا فيما قُدم إليه من بيانات؟ هل يعفيه أنه طلب أن يجلس خلفه جورج تينيت رئيس وكالة المخابرات الأمريكية ليوحى بأن تينيت هو المسؤول عن صحة البيانات التى جاءت على لسان باول..؟..

لقد عرفت باول فى أثناء رحلة صعوده الأسطورى، وما كنت أحب أن أراه وهو يواجه هذه اللحظة التى قادته إلى رحلة الندم.. ولكنها الحياة، التى قد لا تختلف كثيرا عن الدراما التى نقرأ فيها عن شخصية من شخصيات شكسبير، مثل هاملت أو من شخصيات الرائع نجيب محفوظ… الصعود ثم الندم.

* نقلا عن “المصري اليوم”

جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

 

الكاتب

عبد الرؤوف الريدي

عنوان المقال

كولن باول.. رحلة الصعود والندم

نقلا عن العربية نت

Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
التقيمات المضمنة
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
0
التعليق على هذا المقال - شاركنا رأيك x
()
x

يستخدم موقعنا الإلكتروني ملفات تعريف الارتباط وبالتالي يجمع معلومات حول زيارتك لتحسين موقعنا (عن طريق التحليل) ، وإظهار محتوى الوسائط الاجتماعية والإعلانات ذات الصلة. يرجى الاطلاع على صفحة سياسة الخصوصية الخاصة بنا للحصول على مزيد من التفاصيل أو الموافقة عن طريق النقر على الزر "موافق".

إعدادات ملفات تعريف الارتباط
أدناه يمكنك اختيار نوع ملفات تعريف الارتباط التي تسمح بها على هذا الموقع. انقر فوق الزر "حفظ إعدادات ملفات تعريف الارتباط" لتطبيق اختيارك.

وظائفيستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط الوظيفية. ملفات تعريف الارتباط هذه ضرورية للسماح لموقعنا بالعمل.

وسائل التواصل الاجتماعييستخدم موقعنا الإلكتروني ملفات تعريف الارتباط الخاصة بوسائل التواصل الاجتماعي لعرض محتوى تابع لجهة خارجية مثل YouTube و FaceBook. قد تتعقب ملفات تعريف الارتباط هذه بياناتك الشخصية.

أعلاناتيستخدم موقعنا الإلكتروني ملفات تعريف ارتباط إعلانية لعرض إعلانات الجهات الخارجية بناءً على اهتماماتك. قد تتعقب ملفات تعريف الارتباط هذه بياناتك الشخصية.