«قصة نفس» زكي نجيب محمود

«قصة نفس» زكي نجيب محمود
زوار موقعنا الكرام نقدم لكم يوميا وحصريا جديد الاخبار العربية والعالمية ,حرصآ منا علي تقديم كل ما هو جديد وحصري من المصادر الخاصة بها بكل مصداقية وشفافية عبر موقعنا
“مانكيش نت ” نعرض لكم الان خبر «قصة نفس» زكي نجيب محمود

في سيرته الذاتية التي تتخذ شكلًا روائيًا “قصة نفس”*، التي نشرها في الستين من عمره، ثم أعاد مراجعتها ونشرها مرة أخرى، وهو في الثمانين؛ يحكي “د. زكي نجيب محمود” أنه قابل رجلا ذا “قَتَب”** ذات ليلة أثناء الخروج من السينما. أثار هذا الرجل الأحدب، انتباهه بهيئته الغريبة، وأيضا بعد أن قال له هذه الجملة الحكيمة “الحياة عبئها ثقيل على من أصابه في الحياة خذلان”.

لاقت هذه الجملة صدى في نفس الكاتب كأنها جملته الشخصية. فما كان منه أن تتبع هذا الرجل ذا “القتب”، حتى ذهب معه إلى أقصى المدينة، في مكان مظلم، وعندها يبدأ بينهما الحديث، وسط هذه الأضواء النفسية الخافتة، ليظهر لنا في النهاية أن هذا الشبح الذي تتبعه الكاتب، ما هو إلا جزء من نفسه، لذا هو شديد الشبه به، وشديد

لاقت هذه الجملة صدى في نفس الكاتب كأنها جملته الشخصية. فما كان منه أن تتبع هذا الرجل ذا “القتب”، حتى ذهب معه إلى أقصى المدينة، في مكان مظلم، وعندها يبدأ بينهما الحديث، وسط هذه الأضواء النفسية الخافتة، ليظهر لنا في النهاية أن هذا الشبح الذي تتبعه الكاتب، ما هو إلا جزء من نفسه، لذا هو شديد الشبه به، وشديد الانجذاب له، ويريد دومًا أن يتتبعه، ولا يفارقه، ويسأل عنه إذا غاب.

***

يبدأ الكاتب زكي نجيب محمود، صاحب السيرة، الذي يسمي نفسه “فوزي الراوي”، في البحث عن سر هذا “القتب”، الذي يعاني منه هذا الرجل، والذي يسميه “رياض عطا”. بعد محاورات طويلة تدور بينهما، وتتَّبع لحياته، يقع “فوزي الراوي” على سر هذا “القتب” الرمزي، أو هذا الحِمل النفسي الثقيل، الذي يتراكم طبقة وراء طبقة فوق حياة الإنسان، عندما لا يدرك جيدًا علاقته بواقعه، أو بما أنجزه في حياته، وينظر فقط بخيبة لما ما لم يتحقق.

“أما أنا فقد أزددت يقينا أني وقعت على المفتاح، فكلما حدث واقع وتحقق، توقع ما وراءه وهو يائس، وكلما قصرت قدرته مرة دون بلوغ الممكن، ولا بد أن تقصر إذ “الممكن” -ما ينفك يتراجع أفقه خطوة خطوة إلى الوراء- تكونت على ظهره طبقة رقيقة من الهم، ولبثت الطبقات تتراكم على مر السنين، فإذا هذا القتب الذي يحمله فوق ظهره مشحونًا بهموم حياته كلها لا يخفف منه ما يصيبه من نجاح، لأن عينيه لا تنظران أبدًا إلى ما تحقق، إنما تمتدان إلى ما لم يتحقق، الذي كان من الممكن أن يكون”.

***

إذن هذا هو سر ورمز “القتب”، أو بشكل ما هو أحد أعراض الذات المثالية التي لا تنظر لما تحقق في حياتها، بل لما ما لم يتحقق فقط، فيزداد إحساسها بالعجز، ويزداد معها الهم والإحساس بحِمل الحياة الثقيل. وأحيانًا سيرمز هذا “القتب” لخطأ تعاطي صاحبه مع الحياة، ومنها ما يعود لمرحلة الطفولة الهامة.

فنكتشف أن سبب هذا “القتب” عند رياض عطا، ليس فقط بسبب ما لم يقدر  صاحبه على تحقيقه، ولكن بسبب أسرار ومواقف صعبة حدثت في طفولته. وهذه اللحظات تتوزع ما بين لحظات سعيدة وأخرى تعيسة. فقد كان المؤلف فوزي الراوي، يلاحظ أنه في تلك اللحظات التي يستعيد فيها رياض عطا أسرار طفولته ويتعرف بها، كان يشعر بأن هذا “القتب” قد اختفى.

كأن الاعتراف بالذنب أحد وسائل التخلص من هذا القتب النفسي، وأن فوزي الراوي هنا يلعب دور الطبيب النفسي، الذي يعترف أمامه رياض عطا، ليخلصه من هذا الشعور الثقيل بالذنب.

***

في “قصة نفس” يرى الكاتب نفسه نفسًا متعددة، وليست واحدة. فالكتاب عبارة عن سيرة ثلاثة أشخاص يجتمعون في جسم واحد. الأول وهو المؤلف، وبطل العمل وراويه، والذي يأخذ اسم “فوزي الراوي”، والشخص الثاني الأحدب ذو “القتب” هو “رياض عطا”، الذي قابله ذات مساء عند الخروج من السينما، ولم يفارقه حتى نهاية الكتاب. أما الشخصية الثالثة فهي الدكتور الجامعي إبراهيم الخولي. الثلاثة يستكملون رحلة الكاتب في حياته، ويغطون أدواره النفسية، فكل منهم يحمل سمة نفسية مميزة: فالأحدب هو الشخص العاطفي، وإبراهيم الخولي هو الشخص العقلاني، بينما فوزي الراوي، هو الشخص الوسطي الذي يقف بين الاثنين، ويمثل صوت الراوي أو طموحه أن يكون هكذا، لذا يختار له دائمًا جانب الحكمة.

***

لا تقتصر السيرة على هذه اللقاءات التي تتم بين المؤلف وبين رياض عطا ولكن تمتد أيضا إلى “مذكرات” يتركها له رياض عطا كي يمنحه معرفة أكثر بنفسه.

يكتشف فوزي الراوي مجموعة من المواقف المباشرة وغير المباشرة التي كونت “نفس” رياض عطا: إن النظر إلى حياة بمجموعة أحداثها، كالنظر إلى صورة فنية لا يسير عليها البصر في خط مستقيم بادئا من حافة الإطار هنا لحافة الإطار هناك، بل إنه ليقع أول ما يقع على نقطة مركزية (…) ثم ينساب البصر في مختلف الاتجاهات، عائدا آنا بعد آن إلى نقطة ابتداء، فكأنما هذه النقطة المركزية ينبوع تفجر منه سائر النقاط” .

****

حاول المؤلف أن يصل لهذه النقطة المركزية أو المواقف التي ساهمت في بناء هذه النفس المهمومة. وسيسمي المواقف هذه المواقف الكاشفة بـ” لحظات أمهات”، بما تحمله من تفسير لكل ما سيتولد منها بعد ذلك.

***

هناك تجليات معرفية عميقة يصل لها زكي نجيب محمود في رحلته لاكتشاف نفسه، “إن الإنسان ليس كيانا متصلا، ولكنه منفصلا، ذرات جنب بعضها البعض تكون قصته” إنه لوهم غريب هذا الوهم الذي يوهم الإنسان باتصال شخصه من لحظة الميلاد الى لحظته الراهنة”. ” لا تناقض بين أن يميل المرء بوجدانه إلى شيء، وأن يخضعه بعد ذلك لتحليل العقل فلا يجده على ما كان الوجدان قد صوره.

***

يشرح زكي نجيب محمود، عبر مذكرات رياض عطا، التي عثر عليها؛ خطوات الانتقال من الكائن المفرد للكائن الاجتماعي، في هذه السن الحرجة ما بين الخامسة والسابعة، وعلاقته بأبيه وأمه والجنس الآخر، عند انتقال أسرته إللا السودان بسبب عمل الأب. وهي سنوات البداية الحقيقة لظهور “القتب،” فهو يقول إنه ذهب هناك والظهر معتدلا وعاد والظهر مقوس. إذن خروج رياض عطا من عالمه البيتي الأليف، ودخوله المدرسة في السودان، وهي أول علاقة بين الداخل والخارج، ساهمت في ظهور هذا القتب النفسي، فقد بدأ تلاميد المدرسة يعايرونه بضعف إبصاره، ويشعرونه بالنقص.

***

ثم يصل الراوي في نهاية الكتاب لرسائل كتبها إبراهيم الخولي، الجزء الثالث من هذه النفس، أثناء بعثته في لندن لنيل الدكتوراه، وهي إحدى محطات زكي نجيب محمود، وعبر هذه الرسائل يشرح عقلانية إبراهيم الخولي، والذي يمثل الطرف النقيض لرياض عطا العاطفي.

طبعا خلال الكتاب تلحظ أن رياض عطا له البطولة، بوصفه ممثلا للثقافة المصرية، ورمزا لها، فهي ثقافة تقوم على العاطفة، بينما لا يأخذ فيها العقل أو المنهج العلمي نصيبا، وهذا مسعى الدكتور زكي نجيب محمود في هذا الكتاب. ولكن هناك مسعى آخر يظهر أيضا، وهي محاولته أن يصالح بين المنهجين داخله، أو بين رياض عطا، وإبراهيم الخولي، فكل منهما يجب أن يأخذ جزءًا من الآخر، رياض عطا العاطفي، يأخذ جزءًا من عقلانية إبراهيم الخولي، وإبراهيم الخولي العقلاني، يأخذ جزءًا من عاطفة وحرارة رياض عطا.

هذا التصالح هو الذي سينتج ذاتا وسطية، وهو منهج د زكي نجيب محمود. “قصة نفس” هي رحلة المصالحة ين العقل والعاطفة.

…………………………………………

*قصة نفس- د. زكي نجيب محمود- دار الشروق- الطبعة الثانية. 1983- القاهرة.
** قتَّب الدهر ظهره: أي حَناَه (قاموس المعاني).
*** قصة نفس- ص 32.
**** قصة نفس- ص 39.
***** قصة نفس- ص 44.

زوارنا الكرام نشكركم على متابعتنا ونتمنى ان نكون عند حسن ظنكم بنا دائمآ، نقلنا لكم خبر «قصة نفس» زكي نجيب محمود نرجو منكم مشاركة الخبر على مواقع التواصل الاجتماعي والضغط على لايك لكي تصلكم اخبار موقعنا لحظة نشر الخبر

الخبر كما ورد من المصدر

شاهد أيضاً

الولايات المتحدة تدعم الجمعية الوطنية في فنزويلا لتولي السلطة

الولايات المتحدة تدعم الجمعية الوطنية في فنزويلا لتولي السلطة زوار موقعنا الكرام نقدم لكم يوميا …

اترك تعليق

  Subscribe  
نبّهني عن