آراء متنوعة

فقه الأولويات

حينما كنت شابا كان هناك رجل مسن متدين يواظب على صلاة الفجر فى المسجد ثم ينطلق بعدها إلى الشوارع ليجمع الصحف القديمة الملقاة فى الشوارع ثم يحرقها فى ساحة متسعة قرب المسجد الكبير، سألناه عن سر ذلك فأجاب: هذه الصحف فيها آيات قرآنية وفيها اسم الله مع أحاديث نبوية، وابتذالها هكذا يعد منكراً لابد من تصويبه، قلنا له: هذا أمر لن ينتهى وسيشغلك عما هو أهم وأفضل، فلن يتوقف الناس عن امتهان الصحف وإلقائها فى الشارع بعد قراءتها ولن تستطيع المواصلة، أبى التراجع عن طريقه. كان الرجل صاحب نية طيبة وعزيمة ماضية ولكنه كان شديد المراس، فظاً فى طريقته، كان يدقق على صلة الصفوف وتقاربها ويهتف قبل بدء الصلاة: «من وصل صفاً وصله الله ومن قطع صفاً قطعه الله»، اغتاظ بعض المصلين كبار السن فردوا عليه بعد فترة «الله يقطعك يا شيخ» اضطر لحذف المقطع الأخير واكتفى بالأول.

■ راقبت الرجل فوجدته قد أضاع معظم جهده ووقته فى هذين الأمرين، ولو بذل نصف هذا الجهد فى طاعات أخرى تنفع المجتمع لكان أولى وأجدى. تفكرت فى أمر الرجل وفى تصرفاتنا ونحن شباب فوجدت أنها أضاعت «فقه الأولويات»، الذى دشنه النبى الكريم «صلى الله عليه وسلم»، وأشار إليه القرآن، فقد قدم الرسول «صلى الله عليه وسلم» الإيمان على العمل الصالح، وقدم العلم على العمل، والفرض على النفل، والكيف على الكم، والفهم على الحفظ، وقدم الراجح على المرجوح، والفاضل على المفضول، وفرض العين على فرض الكفاية.

■ والعبادات الاجتماعية التى يتعدى نفعها مثل الإصلاح بين الناس ورعاية الأيتام والمعوقين على العبادات الفردية النافلة، ومحاربة الكبائر والموبقات والاهتمام بالواجبات المضيعة على محاربة المكروهات والصغائر.

■ فالانشغال طويلاً بمسائل النقاب والغناء واللحية مع ترك قضايا الأمة الكبرى وأدوائها الأصلية نوع من العبث لا ترضاه الشريعة.

■ لقد قيل للشيخ الغزالى ما حكم تارك الصلاة؟ فقال حكمه أن تأخذه معك إلى المسجد، أى بدلاً من الأخذ والرد فى حكمه والاختلاف فيه افعل الأفضل والأحسن والأرقى وهو أن تأخذه معك إلى المسجد وتنشغل بدعوته للصلاة بدلاً من تكفيره أو تفسيقه.

■ مشكلتنا جميعاً فى معايير الأولويات وتغييب فقهها، حتى صرنا نكبر الصغير، ونصغر الكبير، ونعظم الهين ونهون الخطير، ونؤخر أوائل الأمور، ونقدم أواخرها، ونكترث للصغائر ونهون الكبائر فترى الرجل يسبح كثيراً ولا يتحرز من المال أو الدماء الحرام، فيأخذ الرشوة مثلا دون استحياء، ونهتم بالنوافل على حساب الفرائض، ونقدم مصالح الجماعات والأفراد على مصالح الدولة أو الأمة، ونقدم الحرب على السلام والصراع على الوئام.

■ إن تماسك المجتمع وترابطه يعد أولوية كبرى، حتى إن هارون عليه السلام استدل بها وهو يرد على معاتبة شقيقه نبى الله موسى بعد أن عبد بنو إسرائيل العجل فقال «خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِى إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِى» فصبر عليهم ولم يمزقهم أو يهجرهم لعلهم يرجعون.

■ وقدم النبى محمد «صلى الله عليه وسلم» المصالح الجوهرية والمستقبلية على المصالح الشكلية فى صلح الحديبية، فرضى بالشروط المجحفة فحذف من الوثيقة كلمات مثل «بسم الله الرحمن الرحيم»، ووصف «رسول الله» للنبى، واكتفى بكلمه محمد بن عبد الله «وذلك كله لم ينقص قدره ورضى بشرط مشركى مكة بأداء العمرة العام القادم وليس هذا العام، وكأنه يرسى قاعدة الضرورات أهم من الحاجيات والتحسينات، وأن الدين مقدم على النفس، والثانية مقدمة على المال، والمصلحة المتيقنة مقدمة على المظنونة، والمصلحة الكبيرة مقدمة على المصلحة الصغيرة، مصلحة الدولة مقدمة على مصالح الجماعات والأفراد، المصلحة الدائمة مقدمة على العارضة، والمصلحة الجوهرية على الشكلية والهامشية.

■ هذا فى المصالح أما فى المفاسد فلا ضرر ولا ضرار، الضرر لا يزال بمثله أو بأكبر منه، يرتكب أخف الضررين وأهون الشرين، يتحمل الضرر الأدنى لدفع الضرر الأعلى، يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام، ودرء المفسدة مقدم على جلب المصلحة، المفسدة الصغيرة تغتفر من أجل المصلحة الكبيرة، تغتفر المفسدة العارضة من أجل المصلحة الدائمة.

■ كل هذا قرره الفقهاء الأوائل بناءً على تأملهم لآيات القرآن وأحاديث الرسول «صلى الله عليه وسلم»، لقد ضحى موسى «عليه السلام» بتحطيم وحرق عجل من الذهب لتبقى عقيدة بنى إسرائيل نقية صافية، ضحى بالمال من أجل الدين والعقيدة الصحيحة.

■ فقه الأولويات يجعلك تقدم الأصول على الفروع ولا تحول السنة إلى فرض، ولا الخطأ إلى خطيئة ولا الخطيئة إلى كفر.

■ فقه الأولويات هو الذى جعل الرسول«صلى الله عليه وسلم» يرد من يريد أن يجاهد معه ليرعى والديه «أحى والداك» قال الرجل «نعم» فقال له «ففيهما فجاهد»، وقال لآخر «ارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما».

■ فقه الأولويات يجعلك تقدم حقوق العباد على حقوق الله، مما جعل الرسول «صلى الله عليه وسلم» يرفض الصلاة على من لم يسدد دينه حتى لو استشهد «يُغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين».

■ فقه الأولويات هو الذى يجعلك تفرق بين الكفر والظلم، وبين الكفر والفسق، وبين الكفر الأكبر والأصغر، وبين معصية آدم ومعصية إبليس، وبين معصية الشهوة وإثم الكبر، وبين معاصى القلب والجوارح، فمن كانت معصيته فى الشهوة ترجو له خيراً ومن كانت معصيته فى الكبر فلا ترج منه خيراً، معصية آدم كانت فى الشهوة فتاب وتاب الله عليه، ومعصية إبليس كانت فى الكبر فلم يتب.

■ غياب فقه الأولويات هو الذى جعل أهل العراق يسألون ابن عمر عن حكم البعوض فأجابهم مستنكراً «قتلتم ابن بنت رسول الله وتسألون عن حكم البعوض».

نقلا عن “المصري اليوم”

 

الكاتب
ناجح إبراهيم

عنوان المقال

فقه الأولويات

نقلا عن العربية نت

Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
التقيمات المضمنة
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
0
التعليق على هذا المقال - شاركنا رأيك x
()
x

يستخدم موقعنا الإلكتروني ملفات تعريف الارتباط وبالتالي يجمع معلومات حول زيارتك لتحسين موقعنا (عن طريق التحليل) ، وإظهار محتوى الوسائط الاجتماعية والإعلانات ذات الصلة. يرجى الاطلاع على صفحة سياسة الخصوصية الخاصة بنا للحصول على مزيد من التفاصيل أو الموافقة عن طريق النقر على الزر "موافق".

إعدادات ملفات تعريف الارتباط
أدناه يمكنك اختيار نوع ملفات تعريف الارتباط التي تسمح بها على هذا الموقع. انقر فوق الزر "حفظ إعدادات ملفات تعريف الارتباط" لتطبيق اختيارك.

وظائفيستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط الوظيفية. ملفات تعريف الارتباط هذه ضرورية للسماح لموقعنا بالعمل.

وسائل التواصل الاجتماعييستخدم موقعنا الإلكتروني ملفات تعريف الارتباط الخاصة بوسائل التواصل الاجتماعي لعرض محتوى تابع لجهة خارجية مثل YouTube و FaceBook. قد تتعقب ملفات تعريف الارتباط هذه بياناتك الشخصية.

أعلاناتيستخدم موقعنا الإلكتروني ملفات تعريف ارتباط إعلانية لعرض إعلانات الجهات الخارجية بناءً على اهتماماتك. قد تتعقب ملفات تعريف الارتباط هذه بياناتك الشخصية.