علاقتنا العمودية مع الله والأفقية مع البشر ترسم الصليب

الكاتب: وردا اسحاق

علاقتنا العمودية مع الله والأفقية مع البشر ترسم الصليب

بقلم / وردا أسحاق قلّو

علاقتنا العمودية مع الله ، والأفقية مع البشر ، ترسم لنا صورة الصليب الذي سيحملنا إلى الله . فكيف نفهم هذه العلاقات من قول الرب (تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ قُدْرَتِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ، وَقَرِيبَكَ مِثْلَ نَفْسِكَ ) ” لو 27:10 “.

الله خلق الأنسان لكي يحيى حياة سعيدة وطاهرة مُلؤها المحبة ، فعلى الأنسان أن يفهم الحياة ويحب كل مافيها من أفراح وحتى الصعوبات التي قد تكون مجدية عندما يتحملها بسبب إيمانه فكل شىء سيسير نحو الأفضل ، لأن الأيمان هو منبع عمل الأنسان والأساس الذي يهبه القوة للأندفاع نحو الأمام فيتخطى الصعاب . فالأيمان بالله علاقةً شخصية ، وكنز لا يفنى ، والهدف الحقيقي للوصول أليه ، فعلى المؤمن أن يخصص لله كل حبه النابع من قلبه وعقله وقدرته . وحب الأنسان لله يجب أن لا ينفصل عن حبه لأخيه الأنسان . فالأيمان بالأنسان هو كنز رائع أيضاً . ولا يجوز أن نحب الله الذي لا نراه ونبتعد عن أخينا الأنسان الذي نراه ونعيش بجانبه . فالبشر يحتاجون قبل كل شىء أن يحبوا بعضهم بعضاً مهما كانت الفوارق بينهما كالغنى والفقر والثقافة والمعتقد واللون والجنس ، مستقيمين كانوا أم لصوصاً ، صالحين أو أشراراً ، مع أنه لا يوجد أنسان شرير تماماً كالأبليس .

المسيح الذي وُلِدَ في المذوَد تألم في حياته فأُذيق الأهانات والجروح ومن ثم الموت على صليب الجلجلة . حياته كانت ثورة ضد الواقع الفاسد . وأنتفاضة شجاعة غايتها تجديد حياة البشر نحو الأفضل ، فالمسيح الذي هو أبن الله تجسد بين البشر لكي يشاركهم حياتهم ويصير لهم قدوة ويعَلِمهُم العمل ، بدأ بالتواضع والكتمان والتضحية ، وأفضل عمل يقوم به الأنسان مع أخيه الأنسان في علاقة أفقية ملؤها المحبة المدعومة بالعمل هو أن يضحي من أجل محبيه . هكذا نخلق علاقة أفقية حميمة عابقة بالتآخي والتضامن مع الآخرين ، وهكذا يشعر كل أنسان بأخيه الأنسان بالمحبة القمرونة بالعمل الصالح لهذا يمد لغيره يد التعاون والرعاية كما ترعي الأم وليدها ، هكذا يتم المحافظة على كرامة الأنسان وحقوقه . ويجب أن تتطور هذه العلاقة بين فرد وآخر ، وبين جماعة وأخرى ، بل بين أفراد السلطة وأبنائها ، فالسلطة القابعة على كراسي الحكم عليها أن لا ترعى مصالحها الشخصية على حساب أفراد المجتمع وحريتهم ومصالحهم . فالدولة التي تشدّق بحقوق الأنسان وتجعل ذاتها حامية لأبنائها وهي تسلب خيراتهم وكرامتهم ، بل يمتد طمعها إلى إمتهان كرامة شعوب من دول أخرى بحجة الذود عن مصالحها الخاصة وبطرق مجردة من الأنسانية ومن أحترام حقوق الأنسان ، علماً بأن كل أنسان هو أبن الله ومفتدى بدم كريم وإن لم يؤمن بالله . وله الحق أن يعيش بحرية وكرامة في هذا العالم الكبير . فعلى الأنسان مهما كان معتقده في المجتمع عليه أن يجرد نفسه من أنانيته ومن حبه لهذا العالم الزائل ، فعليه أن يعلم بأن قلبه مثقوب ولا يخزن أي شىء من الماديات سوى الحب ، ولا شىء يروي قلبه لكي يقطن فيه غير الحب . وحسب المحبة التي يحملها الأنسان إلى الله سيحاسب ، أما الأنسان الذي لا يملك المحبة لبني البشر فسينكره الله ، ويقول له ( لأني جعت فلم تطعموني ، وعطشت فلم تسقوني ، كنت غريباً فلم تأووني ، عرياناً فلم تكسوني ، مريضاً وسجيناً فلم تزوروني ! ) ” مت 25: 41-42 ” .

فالحب هو أعظم قوة في العالم لأنه نابع أولاً من الله المحب للبشر، ومن البشر له ( عمودياً ) ومن البشر إلى البشر ( أفقياً ) . والحب لا يقتصر على جانب العمل فقط ، بل حتى في العبادة . فعندما نرفع صلواتنا وتسابيحنا إلى الله فعلينا أن نرفعها بالحب الصادق الذي عَلّمهُ لنا المسيح . فالذي يتحدث إلى الله عليه أن لا ينسى الأنسان . فمن يدع الله يعيش في قلبه وحياته وسلوكه لا يعد قادراً  على إزدراء الأنسان مهما كان خاطئاً وقاسياً وشاذاً ، فالأنسان الذي يعيش بهذه العلاقة مع الله يكون مستعداً بأن يدعو الله إلى قلبه لكي يتحد جسد الله ( الأفخارستيا ) مع جسده ، ليس في يوم الأحد فحسب ، بل في كل يوم . البابا بيوس العاشر قد صرح قائلاً ، أن كل مسيحي في حالة أستعداد حسنة يسعُهُ التناول يومياً . إذاً الله يدعونا أن نذهب إليه كل يوم ونحظر الوليمة ليس بالملابس الملائمة للوليمة فقط بل بقلب طاهر يستحق تناول جسد ودم يسوع الطاهر . يسوع الفقير ، فالذي يحب يسوع عليه أن يحب كل فقير لأن السميح هو رمزاً لكل فقير . فإذا أردنا تأسيس علاقة مع المسيح فعلينا أن نبدأها مع الفقراء ، لا مع الأغنياء الذين ليسوا بحاجة إلى ولائمنا ومساعداتنا ، لهذا يقول الأنجيل ( الويل للأغنياء ) و ( طوبى للفقراء ) فعلينا أن نجتهد في هذه الحياة لكي نعيش فقر الأنجيل . الأنجيل الذي يحتوي توصيات كثيرة تقودنا إلى الطريق القويم المؤدي إلى الله . والأنجيل يأمرنا قائلاً ( أتركوا كل شىء ، بيعوا كل ما تملكون ، ) هكذا فعل المؤمنون في عهد الرسل ، فلا مفر لكل من أبتغى أتباع المسيح من أن ينهج هذا النهج . إذاً يجب أن تلتقي وتتلاقى وتتحد علاقتنا بالله مع علاقتنا مع البشر كما تلتقي خشبتا الصليب . فالصليب يرمز إلى هذه العلاقة . فالذراع العمودي يرمز إلى علاقتنا العمودية مع الله , الصليب إذاً هو الميزان الذي يعلمنا واجباتنا نحو السماء والأرض بدقة . والذراع الأفقي يرمز إلى علاقتنا الأفقية مع البشر لكي يكتمل الهدف علينا أن نعيش العلاقتان وكأنهما علاقة واحدة .

المؤمنون جميعاً يمثلون الكنيسة المقدسة ، فالكنيسة يجب أن تكون قريبة جداً من فقرائها أولاً ، ومن فقراء العالم كله ، عليها أن تفكر بالناس الذين ينفقون جوعاً في بلدان كثيرة من العالم . فجياع العالم هم صوت صارخ في ضمير البشرية كلها . القديس فرنسيس الأزيزي كان يحسب جميع الناس أخوة ، وكذلك  قد دعى جميع عناصر الكون أخوة وأخوات ، وعاش معها في تناغم وأنسجام وحافظ على سلامة الخليقة وما فيها ، وتلمس بعمق علاقته الأفقية مع الناس والطبيعة ، وهكذا يجب أن ينهج كل أنسان من أجل نشر الحق والعدل والمحبة بين أبنار الله المنتشرين في كل مكان . فالمجتمعات التي تسودها المحبة تمد جسور التعاون مع كل الشعوب ، وتؤسس علاقة حقيقية بين المجتمعات . وواجب كل مؤمن أن يسأل نفسه ويقول ما يسعني أن أساهم لتخفيف البؤس في العالم ؟ هكذا نبدأ بالخطوة الأولى لتأسيس العلاقة بين كل طبقات المجتمع بما يرضي الله . على كل أنسان أن يؤمن بالأخر كما يؤمن بنفسه لكي يكمل وصية الله ( أحب قريبك مثل نفسك ) أي آمن بذاتك مثلما أؤمن بك . آمن بالآخر مثلما تؤمن بذاتك هكذا تتطور العلاقة فيتمدد الأنسان إلى أمام .

مساعدة الأنسان لخيه الأنسان لا تقتصر على الماديات فحسب ، بل على الصلاة المرفوعة لأجل المتألمين ، لأن للصلاة ثماراً مدهشة ، فعندما ترفع الكنيسة صوتها غلى الله لهدف ما فحتماً سيتغيّر شىء ما وحسب وعد الرب ( إن طلبتم شىء بأسمي فستنالونه ) فالسماء تستجيب في الساعة التي لا يتوقعها الأنسان . فالصلاة هي رسالة من أنسان يشكو بأسه إلى الله . أنها أتصال نابع من قلب الأنسان إلى قلب الله ، أنها علاقة روحية بين الأنسان والله فلا بد من الأستجابة . هكذا نعيش الناموس على صليب المسيح ، والصليب يرفعنا إلى عرش الله .

بصليبك المقدس خلصت العالم

..

يمكنك مشاهدة المقال على منتدى مانكيش من هنا