آراء متنوعة

صم وبكم العراق بانتظار الإنصاف

اعداد متزايدة من العراقيين ممن فقدوا حاسة السمع او النطق او كليهما يعانون من مشكلات كثيرة في الخروج الى المجتمع والتعامل معه، وتتضمن المشكلات عدة جوانب اجتماعية وتعليمية واقتصادية وصحية.

ويقدر عدد المصابين بالصم وتعرقل او انعدام النطق والتواصل المسجلين فقط 272 ألف مصابٍ في العراق، وفقاً لإحصاءات وزارة التخطيط، يشكلون 16 في المئة من مجموع ذوي الاحتياجات الخاصة في البلاد.

ويعاني الأشخاص الصم والبكم في العراق من عديد التحديات التي تؤثر على حياتهم اليومية وحقوقهم الأساسية ففي مجال التعليم يعانون من نقص المدارس الخاصة بهم، اذ يتواجد نقص في المدارس المتخصصة التي تقدم تعليما مناسبا للأشخاص الصم والبكم، مما يحد من فرصهم في الحصول على تعليم جيد، كما يعاني البلد من قلة المعلمين المدربين على لغة الإشارة والتعامل مع الطلاب ذوي الاحتياجات الخاصة.

كما ان المناهج التعليمية غالبا ما تكون غير ملائمة لاحتياجات الصم والبكم، مما يزيد من صعوبة تعلمهم وتحصيلهم الأكاديمي.

ويعاني الصم والبكم من قلة الفرص الوظيفية المتاحة لهم، نظرًا لعدم تواجد سياسات توظيف شاملة تضمن حقوقهم؛ ويتعرضون للتمييز في مكان العمل، مما يؤثر على قدرتهم على الحصول على وظائف مناسبة ومستقرة.

كما تبرز من ضمن المشكلات قلة البرامج التدريبية التي تساعدهم على اكتساب المهارات المطلوبة لسوق العمل، وصعوبة التواصل بين الصم والبكم ومقدمي الخدمات الصحية؛ بسبب عدم تواجد مترجمين للغة الإشارة في المستشفيات والمراكز الصحية، وقلة البرامج الصحية الموجهة نحو الصم والبكم، مما يؤدي إلى نقص الوعي الصحي والرعاية الطبية المناسبة لهم.

ويعاني الصم والبكم من العزلة الاجتماعية بسبب صعوبة التواصل مع الآخرين وعدم فهم المجتمع لاحتياجاتهم، وقلة الوعي في المجتمع بحقوقهم واحتياجاتهم، مما يؤدي إلى نقص الدعم والتفهم من المجتمع، يضاف الى ذلك نقص في التشريعات التي تضمن حقوق الأشخاص الصم والبكم وتحميهم من التمييز، وحتى في حال تواجد قوانين، قد يكون هناك ضعف في تطبيقها وتنفيذها على أرض الواقع.

ومن الحلول المقترحة لمعالجة المعضلات المتعلقة بالصم والبكم إنشاء مزيد من المدارس المتخصصة وتدريب المعلمين على لغة الإشارة وتطوير مناهج تعليمية مناسبة، وتوفير برامج تدريب مهني شاملة وسياسات توظيف عادلة تضمن حقوق الصم والبكم في العمل.

وفضلا عن ذلك يتوجب توفير مترجمين للغة الإشارة في المستشفيات والمراكز الصحية، وتنظيم برامج توعية صحية موجهة، وتنظيم حملات توعية لزيادة فهم المجتمع لحقوق واحتياجات الصم والبكم وتشجيع اندماجهم الاجتماعي، وصياغة وتشريع قوانين جديدة تضمن حقوق الأشخاص الصم والبكم وتطبيقها بفعالية على أرض الواقع.

وهذه المعالجات وغيرها، تتطلب جهودا متكاملة من الحكومة والمجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية لضمان توفير بيئة داعمة وشاملة للأشخاص الصم والبكم في العراق.

وفي مناشدة مبكرة من جمعيات فاقدي السمع الى الجهات العراقية في عام 2008 كانت قد وصلت رسالة الى “رابطة المبرات العراقية” مرسلة من الجمعية السويسرية العربية لفاقد السمع، تطلب فيها تزويدها باسم احدى الشركات او المبرات المعتمدة لدى الرابطة في العراق لغرض تقديم المساعدة في تصليح السماعات العاطلة لفاقدي السمع وعلى النفقة الخاصة للجمعية المذكورة.

وبهذا الشأن يقول وليد عبد الامير علوان مندوب الرابطة في بغداد “ليست هناك مؤسسات او جمعيات خيرية تتولى هكذا انشطة، حيث ان هناك فقط معاهد للصم والبكم تعود الى وزارة العمل والشؤون الاجتماعية تتولى رعاية هؤلاء وهي موزعة في محافظات القطر وتكاد تستوعب بالكاد اعداد هؤلاء ولا تمارس هكذا نشاطات، اذ يجري تزويد المصاب اول مرة بسماعة بعد احالته من قبل المستشفى”.

من هذا يتبين ان تلك الرسالة وغيرها المماثلة لم تلق استجابة من لدن الجهات المعنية برعاية شؤون الصم والبكم ومتابعة امورهم واحتياجاتهم؛ بل ان من تقدم لهم الرعاية تتناقص اعدادهم باستمرار، فبحسب بيانات عام 2023 بلغت أعداد المستفيدين من معاھد الصم والبكم (رياض الأطفال والمرحلة الابتدائية) لسنة 2015، 4801 مستفيداً وتناقصت حتى وصلت الى 1383 عام 2018 بحسب احصاءات وزارة التخطيط العراقية، برغم ان المتعرضين للعاهة يتزايدون بمرور السنين.

وفي تقرير المنظمة الدولية للهجرة في العراق عن معاناة هذه الشريحة من المجتمع العراقي تذكر ان الأشخاص الصم في العراق محرومون في الغالب من حق التواصل بلغات الإشارة وتقف لغات الإشارة على حافة الضياع بسبب فقدان ما أسمته بالمشروعية، كما يتواجد نقص في عدد مترجمي لغة الإشارة وعدم تواجد المؤهلات الكافية في العراق.

وتفتقر منظمات الأشخاص ذوي الإعاقة التي يقودها الصم إلى الموارد المطلوبة لتنفيذ الأعمال الأساسية وأغلب منظمات الأشخاص ذوي الإعاقة غير دامجة لهم، ولا ينشأ تدخل مبكر وجودة تعليم الصم ضعيفة؛ ويعيش الأشخاص الصم في فقر وفرص حصولهم على وظيفة محدودة وكذلك فرص مشاركتهم في البرامج الإنسانية والتنموية محدودة ايضا، بحسب تقرير المنظمة الدولية للهجرة في العراق. ويواجه الصم في العراق التمييز وفي كثير من الأحيان غير قادرين على التمتع بحقوق الإنسان الخاصة بهم.

في العراق، توجد عدة معاهد وجمعيات تهتم بشؤون الصم والبكم وتقديم الدعم لهم، وهذه المنظمات تعمل على تقديم التعليم والتدريب والخدمات الاجتماعية للأشخاص ذوي الإعاقة السمعية، فضلا عن رفع الوعي بحقوقهم واحتياجاتهم. 

 ومن المعاهد التعليمية والتدريبية، معهد الأمل للصم والبكم ويعد من أبرز المعاهد التي تقدم التعليم والتدريب للأطفال والشباب الصم والبكم، ويعمل على توفير بيئة تعليمية متكاملة تشمل تعليم لغة الإشارة والمناهج الأكاديمية والتدريب المهني، وله فروع في بعض المحافظات العراقية فضلا عن العاصمة بغداد.

ومن الجمعيات والمنظمات غير الحكومية جمعية الأمل العراقية، اذ تعمل على تقديم الدعم الاجتماعي والاقتصادي للأشخاص ذوي الإعاقة بما في ذلك الصم والبكم، عن طريق برامج تنموية وتعليمية، ومنظمة رعاية الصم والبكم، تهتم بتقديم الدعم والمساندة للأشخاص الصم والبكم في شتى جوانب الحياة، بما في ذلك التعليم والصحة والتوظيف.

ومن المراكز الثقافية والاجتماعية، مركز الصم والبكم في بغداد، ويوفر هذا المركز مجموعة من الخدمات الثقافية والاجتماعية للأشخاص ذوي الإعاقة السمعية، بما في ذلك الأنشطة الترفيهية والثقافية والدورات التعليمية، ومركز الأمل للصم والبكم في البصرة، ويعمل على تقديم الدعم التعليمي والاجتماعي للصم والبكم في محافظة البصرة، فضلا عن برامج التوعية وورش العمل، كما تتواجد مراكز في محافظات اخرى.

 وفيما يتعلق بالجهود الحكومية فان وزارة العمل والشؤون الاجتماعية تقدم بعض الخدمات والدعم للأشخاص ذوي الإعاقة، بما في ذلك الصم والبكم، بوساطة برامج التأهيل والتدريب المهني، وتدعم وزارة التربية تعليم الأطفال ذوي الإعاقة السمعية عن طريق بعض المدارس والمعاهد المتخصصة.

ومن المنظمات الدولية التي تؤدي دورا محليا، منظمة هانديكاب الدولية (Handicap International) التي عملت في العراق على تقديم الدعم للأشخاص ذوي الإعاقة بما في ذلك الصم والبكم، عن طريق برامج التأهيل والدعم النفسي والاجتماعي؛ ويقدم الصليب الأحمر والهلال الأحمر خدمات دعم وإعادة تأهيل للأشخاص ذوي الإعاقة في العراق، بما في ذلك الصم والبكم.

ومن المهم الاشارة الى دور المجتمع المدني في التواصل مع الصم والبكم بالإشارة الى مقهى (اليد البيضاء) الذي يوفر ملاذا هادئا للصُم والبُكم، من سكان مدينة كركوك؛ وعلى عكس المقاهي الأخرى التي يغلب عليها الضجيج، ويتحدث فيها الجالسون عادة بأصوات مرتفعة تختلط مع أصوات أخرى عالية وموسيقى تخرج من أجهزة التلفزيون، يعم الهدوء التام ذلك المقهى حيث يتواصل رواده فيما بينهم عن طريق لغة الإشارة.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.

Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
التقيمات المضمنة
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
Don`t copy text!