آراء متنوعة

شواهد على متغيرات فى العلاقات المصرية ــ الأمريكية

يجب أن ترتكز العيون المرتقبة للمتغيرات فى منطقتنا الإقليمية خصوصا، والعالمية عموما، إلى أهمية الحوار الإستراتيجى، الذى جرى فى واشنطن (العاصمة الأمريكية) مع مصر يومى ٨ و٩ نوفمبر (الشهر الحالى)، فهناك شواهد دالة على أنه ستصاحبه تغييرات مستقبلية فى طبيعة العلاقات المصرية – الأمريكية.

لست من المتحفظين، أو التقليديين، الذين لا يرون أن هذا الحوار لن يتحول فى لحظة آنية، أو قادمة، إلى تطور، أو متغير دراماتيكى، فى علاقات البلدين، لأن مصر، حاليا، غير التى كنا نعرفها فى السنوات الماضية، فإذا كان العالم، والأمريكيون ينظرون لمصر كموقع إستراتيجى مهم فى الشرق الأوسط، فإن الموقع تغير، وازداد بطول وعرض مساحة مصر (مليون كيلومتر مربع)، وحافظت القاهرة على سياستها المعتدلة، والقوية، على أنها الإطار الحافظ للسلام الإستراتيجى فى المنطقة، لأن اتفاقية ١٩٧٩، المعروفة بـكامب ديفيد مع إسرائيل، أثبتت أنها الأجدر، والأكثر عمقا، وأنها الإطار، أو المرجعية، التى تُبنى، أو يُعتمد عليها، فى صياغة العلاقات الإقليمية مع أهم شريكين فى الشرق الأوسط (العرب والإسرائيليين)، وعندما زادت العلاقات الفلسطينية- الإسرائيلية صعوبة، وانتقلت لصراع محتدم فى رام الله وغزة، فى هذا العام، لم تكن هناك إلا المؤسسات المصرية، والرؤية المصرية، وهى الأهم، حيث إنها الإطار الأصوب لتلافى الصراعات، والحروب الإقليمية بين الشعوب، خاصة بين المكونين العربى والإسرائيلى، ولم تكن اتفاقيات المراهقة السياسية الأخرى ذات بال، أو تأثير، على الصراع، رغم ما يملكه أصحابها من نفوذ، أو أموال، بل انضموا إلى مصر، فى هذا الدور، والمساعى الإيجابية القوية فى الإقليم.

كما أنه عندما عاد الحوار الإستراتيجى، هذا العام الأول فى إدارة بايدن (الديمقراطيين الجدد) بعد غياب سنوات طوالٍ فى عصرى أوباما وترامب، إلى مائدة التفاوض بين البلدين- أدركتُ حجم المتغيرات التى شملت سياسة البلدين، سواء أمريكا، التى تتخلص، فى العقد الثانى من هذا القرن، من السلبيات، التى هزت السياسات الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، وقادها المحافظون الجدد.. وغيرهم من مراهقى السياسة، بعد كارثة، أو جريمة طائرات ٢٠٠١ (برجى التجارة)، التى ألمت بنيويورك، وواشنطن، وأزعجت كل الأمريكيين (المكونين العربى والإسلامى)، وأثرت على مجمل سياسات أمريكا تجاه الشرق الأوسط ككل، حيث دخلت حروبا متعاقبة، لم تتوقف، (أفغانستان، والعراق، وسوريا)، وتجمدت كل العلاقات الأمريكية – الشرق أوسطية، فى انتظار نتائج الحروب، التى دمرت الاستقرار الإقليمى العربى ككل، أو مصر، التى خرجت من عِقد صعب (٢٠١١) حتى الآن، أكثر صلابة، وقوة عما كانت. فبالرغم من التقلبات الحادة فى العِقد الأخير، فإن مصر تمكنت من الصمود، ولعل الأهم أنها حولت هذه الأزمة الحادة، أو الانهيار المفاجئ، إلى فرصة لإعادة بناء البلاد، والدولة، وتقوية مؤسساتها الداخلية، والخارجية، وعادت، فى فترة وجيزة، لكى تلعب دورها المؤثر، على مستوى شعبها داخليا، وعلى الصعيد العربى، والمحيط الإقليمى، بل كانت ظهيرا قويا لكل الدول العربية، التى تضررت فى عِقد الثورات، أو ما عُرف بـالربيع العربى خطأ، وكانت رؤيتها الأصوب نحو تعزيز دور الدولة، ومؤسساتها، والهروب من تأثير الجماعات المتأسلمة، والميليشيات، التى انتشرت لتحل محل الدول، وكانت مصر نموذجا فى تصفية الإرهاب المتأسلم، وتنقية وجهها منه عمليا، وهذا الموقف الظاهر زاد من مكانة مصر، بل ارتفعت، من خلال قواتها المسلحة، وشرطتها، مما يجعلنى أقول إن قدرة مصر العسكرية، والأمنية لم تعد محلا للشك فى أى مكان من العالم، حيث انتصرت عسكريا، وأمنيا فى مواجهة تحديات تهز دولا كبرى لسنوات، وتبوأت مركزا متقدما فى حفظ السلم والأمن الإقليمى، مما عكس، للشركاء الأمريكيين، أن الاستثمارات العسكرية، والتعاون بين البلدين، فى هذا الإطار، قد أثمرا قوة إقليمية، بل عالمية، فى عصرها الراهن.. قوة ضخمة ساعدت مصر، وشعبها، فى الداخل، على البناء، والتطور، ومواجهة الصعوبات، والانهيارات، بل وقفت أمام التدخلات الإقليمية، التى اتجهت إلى التوسع فى منطقتنا، لقد وجد الأمريكيون، وإداراتهم المتعاقبة، دولة (مصر) حكيمة، وإدارة قوية، تتجه نحو التغيير، والبناء، بلا ضجيج، أو تخويف، حتى عندما واجهت مصر أزمة وجودية مع إثيوبيا، حول المياه، تصرفت بحكمة، وأصرت على الحلول التفاوضية، ولجأت لمجلس الأمن، وإلى دول العالم، لمساعدتها فى تلجيم العدوانية الإثيوبية، التى رأيناها ظاهرة فى الحرب الأهلية، التى تلتهم إثيوبيا، وأصرت مصر على الحفاظ على عدم التدخل فى شئون الدول، وفى الوقت نفسه، الإصرار على حقوقها المائية، واحتياجاتها إليها، لمواجهة نقص المياه، والجفاف، والحفاظ على حقوق الأشقاء الأفارقة فى التنمية، والبناء (نموذج بناء سد فى تنزانيا)، وقد عكس ذلك الرؤية الدقيقة لمستقبل الإقليم، والقارة الإفريقية. لقد عاد الحوار الإستراتيجى عندما أدرك الأمريكيون أنه لا غنى عن قوة مصر الإقليمية، ودورها فى التعامل مع الأزمات الطاحنة، التى ألمت بالمنطقة، من فوضى، واضطرابات سياسية، واقتصادية، واجتماعية مخيفة. ونجح هذا الحوار فى تثبيت ما كنا نعرفه فى منطقتنا، من أن مصر هى المكون الرئيسى، أو الحليف الإستراتيجى، الذى يعتمد عليه المجتمع الدولى ككل، ليس أمريكا وحدها، بل الأوروبيون كذلك.. ليس فى السلام، والحروب، وتحقيق الاستقرار، وبناء الجيوش، والدول، ولكن فى بناء الاقتصاد، والاجتماع.. حتى فى اتفاقية المناخ، والاحتباس الحرارى، أصبحت مصر رئيسا، بل جذبت الإقليم المنتج للطاقة، والغاز، ليلعب دورا رئيسيا فى مواجهة هذه التأثيرات المناخية الضارة.

* نقلا عن “الأهرام”

جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

 

الكاتب

أسامة سرايا

عنوان المقال

شواهد على متغيرات فى العلاقات المصرية ــ الأمريكية

نقلا عن العربية نت

Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
التقيمات المضمنة
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
0
التعليق على هذا المقال - شاركنا رأيك x
()
x

يستخدم موقعنا الإلكتروني ملفات تعريف الارتباط وبالتالي يجمع معلومات حول زيارتك لتحسين موقعنا (عن طريق التحليل) ، وإظهار محتوى الوسائط الاجتماعية والإعلانات ذات الصلة. يرجى الاطلاع على صفحة سياسة الخصوصية الخاصة بنا للحصول على مزيد من التفاصيل أو الموافقة عن طريق النقر على الزر "موافق".

إعدادات ملفات تعريف الارتباط
أدناه يمكنك اختيار نوع ملفات تعريف الارتباط التي تسمح بها على هذا الموقع. انقر فوق الزر "حفظ إعدادات ملفات تعريف الارتباط" لتطبيق اختيارك.

وظائفيستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط الوظيفية. ملفات تعريف الارتباط هذه ضرورية للسماح لموقعنا بالعمل.

وسائل التواصل الاجتماعييستخدم موقعنا الإلكتروني ملفات تعريف الارتباط الخاصة بوسائل التواصل الاجتماعي لعرض محتوى تابع لجهة خارجية مثل YouTube و FaceBook. قد تتعقب ملفات تعريف الارتباط هذه بياناتك الشخصية.

أعلاناتيستخدم موقعنا الإلكتروني ملفات تعريف ارتباط إعلانية لعرض إعلانات الجهات الخارجية بناءً على اهتماماتك. قد تتعقب ملفات تعريف الارتباط هذه بياناتك الشخصية.