آراء متنوعة

شبّان عراقيون يجهدون لصياغة هوية وطنية ممهورة بالدم

من خلال صفحاتهم الشخصية ومنصات التواصل الاجتماعي ومواقعها، وعبر تجمعات وندوات بدائية، يخوض مدونون وناشطون عراقيون شباب، فضلاً عن متنورين أكاديميين ومثقفين وطلبة، نقاشات سريعة، هادئةً مرّة وغاضبة مرّات، مضمونها ترسيخ فكرة الهوية الوطنية كرابطةٍ عليا تنصهر داخلها الهويات الفرعية.

ورغم ما يبديه البعض من سذاجة وتناقض في تقديمه لرؤية شخصية حول هذا الموضوع، بيد أن الموضوع يستحق النظر إليه من باب كونه بذرة في أرض خصبة يمكن أن تُنبت مستقبلاً رؤى أكثر رصانةً في تشكّل الهوية الوطنية الموحدة.

تنساق النقاشات أحياناً إلى تناقضات فكرية تتداخل فيها الهويات مع بعضها الآخر، مانحةً المتابعَ شعوراً بالفوضى وهشاشة الثقافة التي تدعم المتحاورين وتسند ادعاءاتهم، وهذا يمكن إرجاعه إلى عاملَين، أوله الدور السلبي لِلمثقّف والأكاديمي الوطنيَين، والآخر ضعف نزعة التعليم الحُر ممثلاً بالقراءات الرصينة للكتب والمجلات والدوريات، والاعتماد بشكل شبه كامل على مواقع التواصل الاجتماعي بغثّها وصفائها. وفي هذه الحالة تظهر المسألةُ مُحيرةً أحياناً بعد فرض الواقع الافتراضي هيمنته على العقول والسلوكيات، مع الاعتراف بدوره التثقيفي التنويري الكاشف لظلام التجهيل.

تفرض الكثير من القوى السلطوية المتحكّمة بوسائل الإعلام والدعاية سيطرتَها على العديد من المؤسسات التعليمية بفعل المال والنفوذ، وتبذل جهوداً خطيرة لزعزعة الاعتقادات بالهوية الوطنية وإحداث انقسامات مجتمعية على أساس الدين والمذهب والطائفة والأصل القومي، وتهدف مساعيها الفريدة من نوعها في ظلّ حكم وطني إلى الإبقاء على حالة التشرذم والتشظي الاجتماعي حفاظاً على سلطتها ونفوذها وما تحققه من خلالهما من مكاسب، وعلى رأسها تثبيت الجمهور تحت هيمنتها وطوع إرادتها المتعددة المسارات، وفي ظلّ تقلّب مواقفها السياسية المثير لِلتساؤل.

غير أنَّ مكافحة هذه الإرادة السلطوية الممنهجة والمصلحية وتحديها تبدو صريحةً وتزيد من قلق وارتباك أصحابها السلطويين، إذ أصبحت أمام مواجهة صلبة من الجمهور، لاسيما الشباب منه، فهو يبدي اعتراضاً ورفضاً، وأحياناً سخرية وتساؤلات لم تكن معهودة حين كانت قدرة المتنفذين مذهلةً في تحقيق مقبولية شعبية لطروحاتهم ومواقفهم ضمن نسقية صُبّت بمواد الهويات الثانوية. لكنّ هذا الواقع النسقي المفروض بعلاقة الراعي والرعية والإطار المكوناتي شهدت أحجاره تفتتاً غير قابل لإعادة البناء بفعل عوامل محورها سلوكيات السلطة، وهي سلوكيات معروفة ليس هنا مجال للإشارة إليها.

بعد أن تعرضت مدن عراقية بشمال العراق لهجمات عسكرية من كلّ من تركيا وإيران؛ ضجّت مواقع التواصل الاجتماعي بخطاب عراقي رافض بغضب وشدّة لهذه الاعتداءات، تظهر عن رابطة وطنية آخذة بالالتحام تدريجياً رغم بطئها. لكن تتشكّل من أسفل الهرم متصاعدةً إلى الأعلى، ومثل ذلك ما تواجهه زيارات مسؤولين حكوميين من دولة مجاورة يتهمها الشارعُ العراقي بالتدخل بالشأن الداخلي العراقي وتحريك أتباع لها في هذا الداخل بغية تغلغلها وتثبيت نفوذها. وقد بلغ الحال تنظيم تظاهرات منددة بالاعتداءات في مدن عراقية عدّة، خصوصاً مدن الوسط والجنوب، ومما يلفت النظر بانبهار تلك الاستعادات الرمزية لشخوص تاريخية حضارية عراقية وتمجيد التاريخ الوطني القديم والدفاع عن كلّ شيء عراقي.

على الرغم من النزعات الطائفية لكثيرٍ من رجال السلطة كجزء من وسائل السيطرة والتحكّم، غير أن بروز جمهور شبابي يتصدّى لهذه النزعات التمزيقية يكشف وبكلّ المعايير الدلالية عن أنَّ السلطويين يواجهون شحةً في المؤيدين، مقابل تنام ملحوظ في مسألة الاندماج الوطني والاتساق مع الخطابات العراقوية الخالصة. وطبقاً لذلك فقد صبَّ جمهورٌ عراقيٌ مترامي الأطراف على خارطة الوطن غضبَه على قارئ مراث حسينية حاول تمليح مرثيته بانتقادات عقائدية موغلة في التاريخ الإسلامي الخلافي، وهي صورة جديدة بإطار جديد لم تكن معروضة سابقاً بما جرى تداوله من خطابات تتسم بروحية حديثة تستلهم من الرابطة الوطنية معانيها، ومن الاعتزاز بالشخصية العراقية المميزة مستنداً لها. وتوسّعت هذه الخطابات والمواقف باحتقارها الولاءات الخارجية والتبعية السياسية والعقائدية لبعض السلطويين، ولعلّ إفرازات النتائج الانتخابية البرلمانية الأخيرة كانت شكلاً لهذا التوكيد على الولاء الوطني الخالص، وما جسدته التظاهرات الشعبية، سواءً في المنطقة الخضراء أو على أسوارها بساحة النسور من نعرات وطنية صارمة نابذة لإخضاع العراق لمخططات قوى إقليمية أو دولية، هو بكلّ الأحوال تأكيد ذو معان عن تصاعد في الروحية الوطنية منذ انطلاقته المثابرة المتفانية في تشرين ٢٠١٩ وما بعدها، اذ مَهَرَ شبّان ممتلئون بإحساس وطني وشخصية عراقية سُقيت بتاريخ حضاري مجيد صياغتهم المنطلقة بوضوح بالدَّم، مبرهنين أنَّ الجود بالنفس وسيلة لغاية تتمثل بوطن وشعب عراقيين متبوعين لا تابعين، وبسيادة وبسلطة عراقية حقيقية هدفها كرامة الإنسان ورفاهيته.

يمكن لنا الاستنتاج من خلال قائمة مترعة بالشواهد على تنامٍ فريد مِن نوعه في تاريخ العراق الحديث لِلروح العراقوية، وهذه الروح رغم أنها تشق طريقَها بصعوبة في وسط مليء بالممانعة السلطوية بآلياتها ونفوذها ودعاياتها المكرّسة لِلتقسيمات الفرعية، إلا أنها تتمدد أفقياً وعمودياً متوغلةً في النسيج الاجتماعي الذي يُراد له ولو بصورة مشوشة وغير مدركة أحياناً أن يصيغ نفسه على أساس المجتمع السياسي غير المتشظي المُثخن بجراح العصبيات والروابط التقليدية المدمرة لاستقراره ونموه وسعادته وحتى استقلاله السياسي. وقد ينبري رأيٌ معارض مندفع بإحساس تشاؤمي مفنداً هذه الادعاءات ومحبطاً من نشوء هوية وطنية جامعة ومجتمع سياسي نتيجة حجم الممانعة وقوة الممانعين لذلك. بيد أن قارئ التاريخ الجيّد والمطلّع النبه على الوقائع المتدفقة بالجدّة والانفلاتات من النسقيات العتيقة، يرى في إرادة الشعوب أملاً وفي حركة الروح العام تفاؤلاً لن يصيبه اليأس، وينزع عنه الثقة بالصيرورة التاريخية. واستناداً لما سبق؛ أتاحت الحياة العصرية من الوسائل ما لم تتوفر في أي زمن تاريخي مع توفر نخبة عراقوية نشطت في عملها وفعلها وبذرت بذورها. ويبدو الآن أن هذا البذار ينمو برعاية جيل جديد تستنشق أرواحُ أفراده هوى عراقياً وينتشر فيه شعوراً بالعزة والكرامة الوطنية. ورغم هشاشة قدراته التنظيمية والثقافية بيد أنه يتصف بالنشاط والإرادة والحماس، وإذا حاولنا التنبؤ بما سيحدث وما سيكون فإنَّ اشتعال هذا النور الوطني لن ينطفئْ، وسينتشر رغم بطأ لهيبه، وحينها سيصوغ هذا الجيلُ ومن يأتي بعده رابطةً وطنيةً تتعالى في أفئدة الناس على كلّ الروابط القديمة.

* نقلا عن “المدى”

 

الكاتب
حيدر نزار السيد سلمان

عنوان المقال

شبّان عراقيون يجهدون لصياغة هوية وطنية ممهورة بالدم

نقلا عن العربية نت

تابع موقع مانكيش نت على جوجل نيوز

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
التقيمات المضمنة
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى

يستخدم موقعنا الإلكتروني ملفات تعريف الارتباط وبالتالي يجمع معلومات حول زيارتك لتحسين موقعنا (عن طريق التحليل) ، وإظهار محتوى الوسائط الاجتماعية والإعلانات ذات الصلة. يرجى الاطلاع على صفحة سياسة الخصوصية الخاصة بنا للحصول على مزيد من التفاصيل أو الموافقة عن طريق النقر على الزر "موافق".

إعدادات ملفات تعريف الارتباط
أدناه يمكنك اختيار نوع ملفات تعريف الارتباط التي تسمح بها على هذا الموقع. انقر فوق الزر "حفظ إعدادات ملفات تعريف الارتباط" لتطبيق اختيارك.

وظائفيستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط الوظيفية. ملفات تعريف الارتباط هذه ضرورية للسماح لموقعنا بالعمل.

وسائل التواصل الاجتماعييستخدم موقعنا الإلكتروني ملفات تعريف الارتباط الخاصة بوسائل التواصل الاجتماعي لعرض محتوى تابع لجهة خارجية مثل YouTube و FaceBook. قد تتعقب ملفات تعريف الارتباط هذه بياناتك الشخصية.

أعلاناتيستخدم موقعنا الإلكتروني ملفات تعريف ارتباط إعلانية لعرض إعلانات الجهات الخارجية بناءً على اهتماماتك. قد تتعقب ملفات تعريف الارتباط هذه بياناتك الشخصية.