رسالة راعوية الى الشباب المسيحي “كونوا رسل اخوة ومحبة وسلام”

رسالة راعوية الى الشباب المسيحي

“كونوا رسل اخوة ومحبة وسلام

 البطريرك الكردينال لويس روفائيل ساكو

 تقديم

على ضوء سينودس الأساقفة: “الشباب، الإيمان وتمييز الدعوات”  المنعقد في روما من 3-28 تشرين الأول 2018، أود ان أوجه رسالة راعوية الى الشباب الكلداني بشكل خاص، والمسيحي العراقي بشكل عام، معبراً لهم عن محبتي وافتخاري بهم لصمودهم امام التحديات والأزمات المتكررة، واصرارهم على البقاء والتواصل على الأرض في الداخل، والاحتفاظ بهويتهم وايمانهم واخلاقهم وتقاليدهم ولغتهم في بلدان الاغتراب. فتحية لهم من الأعماق.

 اؤكد لهم ان الكنيسة هي بيتهم، ولهم مكانتهم فيها، ودورهم، وكل الدعم  من المؤسسة الكنسية، وخدامها من أساقفة وكهنة. فلا يخفى علينا ان ثمة تقاطع بين الثقافة القديمة وثقافة اليوم، لذا على الكنيسة  ان تخرج من العقلية القديمة، وتغير نمط تفكيرها واسلوبها. فقد كان هذا السينودس أساس “خروج الكنيسة” للقاء الشباب (ومن خلالهم للقاء الناس)  في حقيقتهم وواقعهم.

 لقد شدد  البابا فرنسيس  في كلمة الافتتاح  على  ان  السينودس هو “تمرين كنسي في الفطنة”، و”سلوك داخلي متجذر في عمل إيماني”.  و”الإيمان يُخبرنا بأن هذه الأوقات هي أيضًا كايروس (وقت الله)، حيث يأتي الرب لملاقاتنا، لكي يدعونا لعيش ملء الحياة”. “قد يوقظ السينودس قلوبنا!”، ليكون “مثمرًا بشكل كبير لإشاعة الرجاء”. وأضاف قداسته: “لكي تبقى الكنيسة تصغي وتسير”، يجب علينا “التخلي” عن “التحيّز والقوالب النمطية”، محذرًا على وجه الخصوص من “آفة الإكليروسية” و”فيروس الاكتفاء الذاتي”. “دعونا في السينودس نمضي وقتًا مع المستقبل”.

 جاء في “أداة العمل” للسينودس: ” ينبغي تحديد الوسائل الأكثر فاعلية لقيام الكنيسة برسالتها،  تجاه الشباب لمساعدتهم على لقاء الرب، واختبار محبته لهم والاستجابة له بفرح.

“ان نداء المحبة هذا هو الى القداسة”، “كونوا كاملين كما ان اباكم  السماوي كامل” (متى 5/48).  والمسيحيون العراقيون والشباب بشكل خاص، لقد اختبروا محبة الله لهم، وعبروا عن الأمانة لها، عندما تركوا  كل شيء في بلداتهم حفاظا على ايمانهم، والبعض قبل التضحية بحياته فنال اكليل الشهادة. نحن نشكرهم وسنبقى فخورين بهم.

 الدعوة العامة

كل مسيحي بحكم  خلق الله إياه،  وبحكم معموديته،  مدعو لكي يصير قديساً وسعيداً. يقول البابا القديس بولس السادس: “كل حياة هي دعوة” ( تقدم الشعوب، رقم 15).  وتتضمن  هذه الدعوة الجامعة  دعوات خاصة ومحددة   كما في الزواج  وتربية الأولاد، و التكريس  في البتولية.  هذه الدعوات هي مسألة حب  وعشق انساني  والهي،  يأخذ العقل والقلب،  ويحرر  من الذات،  ويؤسس مسارا للحياة بأكملها، ومن منظور كرستولوجي واضح ،  قوي ومؤثر . هذا  التنوع  في الدعوات هو غنى ويساعد على النمو.

لقد عبر المشاركون في السينودس، ان الانطلاقة الأولى للايمان هي العائلة: المدرسة الاولى والكنيسة المصغّرة، فالعائلة هي البيئة التي فيها يولد الطفل، ومنها يستلم الايمان، وينمو وينضج ويتدرب على عيشه. من هنا أهمية تنشئة العائلة المسيحية تنشئة سليمة وعميقة لتعيش سر الزواج وتربية الأولاد عبر علاقة حب وحنان ناضجة وحرة ومسؤولة !

 الشباب أعضاء وشركاء في الكنيسة

الشباب مشحونون بطاقات بديعة وكثيرة، يمكن استثمارها لاعلان الانجيل، ولخير مجتمعهم.   كما ان لهم القدرة على تجاوز التحديات وإنجاز أشياء جميلة ومفيدة  حتى عبر العالم الرقمي (وسائل التواصل الاجتماعي).لذا على الرعاة ادماج الشباب في الجماعات الصغيرة كالاخويات، والفرق الرعوية والجوقات  والشماسية،  لينعموا بلقاء  اشخاص هم شهود للمسيح يثقون بهم. كذلك  اسناد بعض المسؤوليات اليهم  حتى لو اخفقوا، فلا توجد مشكلة في ذلك، انما يتعلمون، ويقوّمون مسارهم. فالشباب أعضاء في الكنيسة وشركاء فيها، لهم مكانتهم ودورهم بحكم معموديتهم وكهنوتهم العام (1 بطرس 2/9). الكنيسة “عائلة الله” الكل فيها  من اهل البيت، يتحمل كلٌ مسؤوليته برؤية وحكمة. انهم  في الكنيسة يتعلمون، ويكبرون، وينضجون ويختارون دعوتهم الخاصة. هذه نقطة جوهرية علينا كرعاة ان ننتبه اليها. اساسا هذا السينودس عد “خروجا” لملاقاة الشباب في حقيقتهم وواقعهم. من المؤسف القول اننا نحن الشرقيين، قلما استفدنا من المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني، فأعتقد أنه حان الوقت الان  للعودة الجدية اليه لنشق طريقنا الى التجديد والانجلة الجديدة.

 الدعوات الخاصة

 نحن اليوم بحاجة ماسة الى دعوات خاصة، الى اشخاص قادرين ان يكرسوا حياتهم لإعلان الانجيل وخدمة الاخوة، بقناعة تامة وامانة وحماسة ومحبة وفرح. ويتم  تمييز الدعوة  واكتشافها من خلال الصلاة واستلهام انوار الروح القدس وقراءة الكتاب المقدس والإرشاد (المرافقة). كما ان اتباع المسيح يتطلب عيش متطلبات الانجيل بجذرية وامانة تامة: “ما مِن أَحَدٍ يَضَعُ يَدَه على المِحراث، ثُمَّ يَلتَفِتُ إِلى الوَراء، يَصلُحُ لِمَلَكوتِ الله” ( لوقا 9/62).

كذلك من المهم اختبار فرح الصلاة وقراءة الكتاب المقدس، والتمثل بايقونات رائعة للدعوات في الكتاب المقدس، مما يغذي الدعوة ويعطيها زخماً مستمراً.

وبالنسبة الى الاكليريكيات والاديرة، ينبغي التشديد على الحياة الجماعية وفق مبدأ  الدير “عائلة واحدة”، بالتناغم والفرح واحترام التعددية في الوحدة. ولا بد من المصارحة بأن  اديرتنا بدأت تتراجع في العدد وفي مستوى الروحانية. لذا هي بحاجة اليوم الى ايجاد أساليب واشكال forms جديدة ورؤية جديدة ملائمة للتنشئة الكهنوتية والرهبانية في عصرنا. يقينا هذا يتطلب معرفة عميقة بمبادئ الايمان وثقافة لاهوتية سليمة، ، وليس مجرّد معرفة سطحية؛ ويقتضي هذا ايضا روحية عالية وثقة بالنفس وروح المشاركة.  وهنا أؤكد على تنشئة قلب الاكليريكي والراهب والراهبة، فمعظم المشاكل هي في قلبهم!

 

الشباب والمجتمع

 عالمنا يعاني من اللاعدالة  وعدم تكافؤ الفرص، والبطالة والفقر والعنف والهجرة والتهميش… لذا على الشباب  ان ينجذبوا الى العمل الاجتماعي والسياسي وينخرطوا فيه لتحقيق العدالة والمساواة والاخوة  والمحبة والسلام. وهنا على الكنيسة ان تفكر كيف تمكن الشباب لأن  ليتدربوا على فن هذه الخدمة الاجتماعية  وعليها أن تدعمهم معنويا وماديا قدر إمكانياتها. لان الشباب  هم اول ضحايا اللاعدالة الاجتماعية وتكافل الفرص. الشباب يحتاجون الى معرفة تعليم الكنيسة الاجتماعي. كما عليهم ان يكونوا جسرا للحوار بين الثقافات والديانات وبخاصة المسيحية والإسلامية فيرسخوا العيش المشترك.

 واقعيا  ماذا يمكن تحقيقه

 حان الوقت لكنيستنا  كونها “الاب والام” لابنائها،  لكي تتحرك وتتحد وتعمل كفريق واحد خداماً ومؤمنين. علينا ان نتدرب على الاصغاء الى الشباب والناس لمعرفة واقعهم وحقيقتهم، ممارسة ذلك واقعياً وليس نظرياً.

على الكنيسة ان تعرف رسالتها بوضوح، وان تتعرف على علامات الأزمنة وتقرأها وتفسرها لتختار ما هو مناسب لها في الزمان والمكان. عليها ان تستقبل وتحمي وتعزز وتدمج.

على الكنيسة ان تتذكر دوما دورها النبوي.

أتمنى ان يقوم كل اسقف بجعل ابرشيته كنيسة جامعة مصغرة، وعائلة ابوية، أي ان يهتم بالصغار والشباب والبالغين ويفتح امامهم الأبواب ويحترم مكانتهم ودورهم وكرامتهم فيقربهم من المسيح، مهما كانت مستوياتهم في الخدمة والرئاسة…

الامر نفسه ينطبق على الرعية والكاهن: “الرعية بيتهم” تكون مفتوحة لأبناء الرعية وتكون مضيافة وفق إمكاناتها والكاهن هو الاب والراعي والاخ والصديق.  يقول مار افرام الملفان: “الرعية صورة الراعي”. البطريرك والاسقف والكاهن هم رعاة قبل أي شيء آخر، وليسوا مجرد اداريين، ولا ينبغي ان تأخذ الإدارة معظم وقتهم! وهذه بعض التوصيات:

 1 – منح اهتمام خاص بالشباب  في الجماعات الكنسية بحيث  يجسد هذا مفهوم “الكنيسة العائلة”، فيستقبل الجميع ويصغي اليهم ويحتضنهم ويقف الى جانبهم بقوة وسخاء وفرح كما عمل المسيح، مؤسس الكنيسة. الكنيسة هي أولا  وأخيرا جماعة الايمان والصلاة والخدمة وإعلان البشارة.

 2-  تطوير المواهب والطاقات  القيادية عند الشباب والشابات في حياة الكنيسة، لأن الروح القدس يمنح مواهبه للرجال والنساء على حد سواء. ولهذا سوف اعمل لإنشاء مركز للشبيبة في بغداد، بحيث يكون أيضاً مركزاً للرياضة والثقافة والخدمة الروحية ويتضمن مكتبة مفتوحة وخدمة الإنترنت. ويكون بمثابة بيت للشبيبة ومكان للاستماع والتعليم والمرافقة.

 يمكن ايجاز رسالة الكنيسة الشاملة في: اعلان الانجيل والشهادة، الاحتفال بالليتورجيا، اي الاحتفال بالمسيح الحاضر فيها وفي الجماعة، وخدمة الاخوة  Dikonia.الشباب يريدون  ان تكون الكنيسة قريبة منهم وحاضرة بينهم وتحس بهم وتحبهم وتحتضنهم وتدعمهم وتقوي انتماءهم اليها فيعلنوا البشارة الى من هم من عمرهم. يريدون ان ترافقهم  الكنيسة بأيمان ومحبة وحنان. ويسوع نفسه يشير الى المرافقة بقوله للتلميذين اللذين ارادا اتباعه: “هَلُمَّا فَانظُرا! فَذَهَبا ونظَرا أَينَ يُقيم، فأَقاما عِندَه ذلك اليَوم قول يسوع” ( يوحنا 1/39).

كما انه على الكنيسة ان توضح تعليمها حول الجسد والجنس في كونهما عطية من الله. وعليها ايضا أن تبين تعليمها بشأن المفهوم الإنساني anthropologicالانثروبولوجي تجنبا للالتباس.

 

 النساء في الكنيسة

 يطالب الشباب اليوم بتقييم دور النساء في المجتمع والكنيسة. ان غياب صورة السيدات في الكنيسة وغياب نظرتهن هي عوامل فقر للنقاش والمسيرة في الكنيسة ويسرق من قيم التمييز بشأن اسهامهن الثمين. السينودس يوصي  بإدراك ضرورة التغيير في هذا الموقف على ضوء تفكير انتروبولوجي ولاهوتي حول المشاركة المتبادلة بين الرجال والنساء (الوثيقة الختامية للسينودس رقم 55). وعليه أريد التأكيد على المبدأ التالي:

الاعتراف بمكانة المرأة ودورها. فالشباب يعتقدون ان الكنيسة لا تعطيها مكانتها الحقيقية. طبعا هذا يعود الى المجتمع والى الثقافة التي تضع المرأة في المؤخرة وتمارس أحيانا كثيرة العنف ضدها. على الكنيسة ان تعيد إذن النظر  في موقفها وستراتيجيتها تجاه المرأة مستندة على ثوابت ايمانية بانها بالمعمودية عضوة في الكنيسة وشريكة وتمتتع بالكهنوت العام. وبالتالي على الكنيسة ان تتقدم فيما يساعد على اعلان الانجيل وخدمة الناس لاسيما في مجال التربية الرصينة، ومن إسهاماتها المهمة أيضا المرافقة  والإدارة والتنشيط الراعوي والليتورجيا.

 تقول الوثيقة الختامية للسينودس رقم 13: “لا ينبغي ان ننسى الاختلاف بين الرجال والنساء ومواهبهم … هذا الاختلاف يمكن ان يكون بيئة للتسلط  والاقصاء والتمييز في المجتمع والكنيسة،  لكن المجتمع والكنيسة بحاجة الى التحرر. يقدم الكتاب المقدس صورا للرجال والنساء في كونهم متساوون امام الله (تكوين 5-2).

 الخاتمة

 وان كنا قد بقينا بمثابة القطيع الصغير، فلا نزال أقوياء “كالخميرة والملح والنور”، فعلينا ان نرتب بيتنا ونعدّ ذاتنا جيدًا لمواجهة التحديات الحالية والقادمة، بوعي وايمان وعزم وثقة ورجاء وباشراك الجميع كفريق واحد. وهنا ادعو أحبّتنا الشباب والشابات الى ان يقرأوا نص تلميذي عماوس ( لوقا 24/13-35) حيث يسير يسوع معهما، ويصغي ويقتسم، ادعوهم لينضموا الى مسيرتهم بالحماسة نفسها والفرح. لقد شدد البابا فرنسيس قائلا: “المسيح لا يتخلى ابدا عن الكنيسة انه يقدم لها القوة والأدوات لمسيرة جديدة” (الرسالة الى شعب الله، 20 اب 2018، رقم 2).

فانتم الحاضر والمستقبل الباهر للكنيسة والمجتمع.

 

 

الخبر نقلا عن موقع البطريركية الكلدانية

 

شاهد أيضاً

Message de Pâques 2020

Message de Pâques 2020 Message de Pâques 2020 Pâques et   Coronavirus La nécessité d’une critique …

500
  Subscribe  
نبّهني عن