آراء متنوعة

جماعة “مجاهدي خلق”… “الحشّاشون” الجدد في إيران!

خلال حكم الدولة السلجوقية في إيران، ظهرت جماعة “الحشاشين” التي أسسها زعيمهم الحسن الصباح، متخذاً من قلعة آلموت في فارس مركزاً لنشر دعوته، وقاعدةً لترسيخ أركان دولته التي قام نفوذها على الاغتيالات والعمليات الفدائية، حتى صارت مثالاً عبر التاريخ للجماعة السياسية الدينية الدموية المسلحة.

وفي إيران بعد ثورة 1979، يتكرر المشهد في شكل جماعة مماثلة، وهي جماعة “مجاهدي خلق” التي أرهقت نظام ولاية الفقيه، لدرجة أن وسائل إعلام محافظة مثل وكالة “فارس” المقربة من الحرس الثوري طالبت باستهداف المقر الجديد لهذه الجماعة (أشرف 3) بالطائرات المُسيّرة والصواريخ، في منفاها بالقرب من مدينة دوريس الساحلية في دولة ألبانيا.

تاريخ من العداء

إذا نظرنا إلى الذراع اليمنى للمرشد الأعلى علي خامنئي، نجد أنها معطلة بسبب الهجوم الذي تعرض له من عناصر “مجاهدي خلق”، أثناء خطبته في مسجد أبي ذر في طهران، بعد أسبوع من عزل الرئيس الإيراني الأول بعد ثورة 1979، ذي التوجهات الاشتراكية، أبي الحسن بني صدر، 27 حزيران (يونيو) 1981. ففي اليوم التالي لهذه الحادثة أيضاً، هاجم عناصر “مجاهدي خلق” المقرّ الرئيسي للحزب الجمهوري الإسلامي في طهران، الذي مثّل نواة تأسيس نظام الجمهورية الإسلامية، الذي نشأ في مقابل الأحزاب اليسارية والقومية والوطنية.

وتمثل تلك الحوادث بداية صراع جماعة “مجاهدي خلق” اليسارية الاشتراكية، مع النظام الحاكم في إيران، فقد هرب زعيمها، مسعود رجوي، مع الرئيس بني صدر، إلى باريس؛ ليعلن من هناك تأسيسه المجلس الوطني للمقاومة، من أجل إطاحة نظام ولاية الفقيه.

ثم بعدها، يضغط النظام الإيراني لإخراج رجوي من فرنسا في مقابل الإفراج عن رهائن فرنسيين في لبنان؛ ليضطر بعدها إلى الذهاب إلى العراق؛ ويؤسس هناك جيش التحرير الوطني في معسكر أشرف في محافظة ديالى العراقية على بعد 80 كم من الحدود الإيرانية.

وهناك أيضاً، يتحالف أنصار رجوي مع الرئيس العراقي صدام حسين ضد النظام الإيراني في الحرب العراقية – الإيرانية، بل يستفيد منهم صدام حسين في دعم نظامه البعثي، خلال عمليات قمع الأكراد. وهو ما وضعهم على قائمة الإرهاب وجرائم الحرب في بعض الدول الغربية.

ويطلق عليهم النظام الإيراني اسم “المنافقين”، حتى أنه يفرد لهم الكثير من الأدبيات والمعارض التي مهمتها أن تكرّس في ذهن الشعب الإيراني دورهم في الخيانة والتعاون مع أعداء إيران، وقيامهم بالاغتيالات والأعمال التخريبية ضد مصالح بلادهم.

ونظراً إلى مدى استمرار نفوذ هذه الجماعة داخل إيران وتهديدها للنظام؛ بخاصة أنه معرض للسقوط في حالة اغتيال كوادره وقياداته، هناك دوائر أمنية واستخبارية مسؤولة عن متابعتها وملاحقة أنصارها داخل البلاد. وهناك أيضاً مؤسسات إيرانية، مثل مؤسسة “أبناء هابيل” (هابيليان)، مختصة في الكشف عن أنشطتهم وتحركاتهم داخل إيران وخارجها.

والوجه الأبرز لهذه الجماعة هو السيدة مريم رجوي (قجر عضدانلو)، إذ بعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003، يختفى زوجها زعيم المنظمة، مسعود رجوي، لتتولى هي دفة القيادة بعده. ثم يضغط النظام الإيراني على الحكومة العراقية الجديدة لطرد هذه الجماعة المسلحة من معسكر “أشرف” داخل العراق. وفي الأثناء، تقوم الميليشيات الشيعية الموالية لإيران بمهاجمة مقر الجماعة وإجبارها على الانتقال إلى معسكر “ليبرتي” قرب مطار بغداد.

ولا يتوقف الأمر عند ذلك، بل تضغط إيران عبر ميليشياتها التي تهاجم المقر الجديد، ليتم بعدها تشتيت الجماعة في أوروبا، ونقل جزء منها إلى معسكر “تيرانا” في ألبانيا، وذلك بعد جهود أوروبية وأميركية لإقناع ألبانيا بهذه الاستضافة.

وما أدى إلى استمرارية هذا العداء بين هذه المنظمة والنظام الحاكم في إيران، هو تواصل العمل المنظّم الذي يستهدف أركان هذا النظام. والمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية (NCRI)، وهو كيان تسيطر عليه جماعة “مجاهدي خلق”، أوجدته من أجل خلق شرعية دولية لمحاربة نظام الملالي في إيران، حيث يمثل حكومة المنفى، وانتخب في اجتماعه السنوي عام 2013، مريم رجوي رئيسة مقبلة لإيران في فترة انتقال السلطة إلى الشعب.

وهذا الأمر، عزز من فرص هذه الجماعة للبقاء والعمل داخل إيران وخارجها، حتى باتت رجوي أحد أبرز الوجوه المعارضة التي تقلق النظام الإيراني وتلتف حولها المنظمات والهيئات الإعلامية والحقوقية والإنسانية في الخارج، من أجل مناقشة مستقبل السلطة في إيران.

أيديولوجيا معقّدة

تبدو الأيديولوجيا التي تحملها أفكار جماعة “مجاهدي خلق” أكثر تطرفاً وراديكالية من النظام الحاكم نفسه، فهم ينادون بنظام إسلامي اشتراكي ثوري، حتى أنهم بسبب تفسيرهم الديني الخاص ونظامهم الاجتماعي المقيّد بسلطة مركزية، يبدون في النهاية أشبه بطائفة دينية تجمع بين الإسلام الشيعي والماركسية؛ وليس فحسب نظاماً سياسياً بديلاً للنظام الحالي.

ولهذا نجد الجماعات الإيرانية المعارضة في الخارج، المؤيدة لعودة النظام الملكي أو الداعمة للديموقراطية وقيام نظام علماني ترفض التعاون مع هذه المنظمة؛ لأنها تمثل نسخة منقلبة على سلطة النظام الحالي؛ لكنها كانت إلى جانبه في بادئ الأمر.

إذاً، كانت هذه الجماعة مؤيدة للنظام الإسلامي ومناصرة للثورة ومعارضة لليبرالية والرأسمالية الأميركية، قبل أن تعلن انقلابها على دولة الخميني وحكم الملالي. ثم انقلبت بعد ذلك على أفكارها على مستوى الخطاب لا على مستوى التنظير، وتقاربت مع الولايات المتحدة وتقبلت العلمانية والرأسمالية والليبرالية؛ من أجل كسب تأييد القوى الغربية لها.

لكن بالنظر إلى طريقة تنظيم عناصر الجماعة داخل معسكراتها، نجد أنها تخالف هذه الصورة الديموقراطية والليبرالية التي تصدّرها زعيمتها رجوي إلى العالم الغربي؛ فأغلبية المنظمة تتشكل من النساء بفعل وجود امرأة على رأسها، وبفعل النظام الصارم الذي فرضه مسعود رجوي للفصل بين النساء والرجال وقتل العاطفة ووأد الرغبات وسلب الحريات، فليس من السهل مغادرة هذا التنظيم.

وتصوغ رجوي من الأفكار الماركسية التي تأسست عليها الجماعة، ومن معارضتها لنظام ولاية الفقيه، خطاباً يتماشى مع احتياجات المرحلة في إطار مضاد للنظام القائم في إيران، فدائماً ما تتحدث عن المساواة بين الرجل والمرأة في الإسلام، وخطورة الاستبداد الديني على المجتمع الإسلامي والعالمي، والعدالة الاجتماعية بين الطبقات، وأهمية نشر السلام، ومبدأ الفصل بين الدين والدولة، وحظر التمييز بين أبناء المجتمع.

المعارضة الأكثر تنظيماً

وبسبب امتلاكها الأجنحة العسكرية والسياسية والعمل التنظيمي، أصبحت جماعة “مجاهدي خلق” أكبر وأنشط حركة معارضة إيرانية، الأمر الذي جعلها الورقة الرابحة في يد أعداء النظام الإيراني، سواء في أوروبا أم في إسرائيل. إذ يُنسب لها إفشاء سر البرنامج النووي لإيران، وكذلك الوقوف وراء اغتيال العلماء النوويين، آخرهم عالم الذرة، محسن فخري زاده. وكذلك علي صياد شيرازي، من القادة العسكريين الرفيعين في إيران، وذلك بالتعاون مع الاستخبارات الإسرائيلية.

كذلك، هناك دعم غير رسمي من الجانب الأميركي لهذه الجماعة. وإذا نظرنا إلى الزيارة التي قام بها نائب الرئيس الأميركي السابق مايك بنس، لمعسكر هذه المنظمة في ألبانيا، في حزيران (يونيو) 2022؛ يظهر أن إدارة الرئيس ترامب قد استفادت من هذه المنظمة في تعزيز سياسة أقصى ضغط التي مارستها ضد طهران من أجل الاستجابة للمطالب الأميركية.

وبعد مجيء الرئيس الديموقراطي جو بايدن إلى البيت الأبيض، بدأت إسرائيل تعزيز استفادتها من هذه الجماعة داخل إيران، وذلك بعدما شعرت تل أبيب بأنها في حاجة للاعتماد على قدراتها منفردة لمواجهة مخاوفها من إيران. ولذلك تنامت العمليات التخريبية لهذه المنظمة ضد منشآت حيوية داخل إيران، عبر زرع القنابل والاختراقات السايبرانية.

ولولا التعاون مع هذه المنظمة ما كانت إسرائيل تستطيع سرقة أرشيف نووي لإيران يشمل 55 ألف وثيقة وعشرات الأقراص المدمجة؛ لأن هناك عناصر في الداخل، تعمل قرب النظام، تنتمي أو تتعاون مع هذه المنظمة. والاختراق السايبراني لكاميرات المراقبة في العاصمة طهران، 2 حزيران (يونيو) الماضي، ونشر صور وشعارات جماعة “مجاهدي خلق”؛ دليل على أن عناصر هذه الجماعة فاعلون ومؤثرون داخل المجتمع الإيراني.

وإذا نظرنا إلى الكتابين: “الرعد في سماء بلا سحب” و”الاستراتيجية ولا شيء آخر”، اللذين يحتويان على شهادات أمنية حول نفوذ جماعة “مجاهدي خلق” داخل المؤسسات الأمنية والاستخبارية في إيران، نعرف مدى القلق لدى النظام الحاكم من تنامي تأثير هذه الجماعة داخل المجتمع الإيراني.

وهناك العديد من العوامل التي تعزز استمرارية فاعلية جماعة “مجاهدي خلق” داخل المجتمع الإيراني؛ منها الانتقام للإعدامات السياسية التي يقوم بها النظام، وأيديولوجيا “مجاهدي خلق” الرافضة لسلطة رجال الدين، إلى جانب الرغبة المتنامية في الداخل لإطاحة النظام الديني، فضلاً عن وجود إرث من الأفكار الاشتراكية واليسارية داخل المجتمع الإيراني، بخاصة بين جيل الآباء، بينما نظام ولاية الفقيه لم يستطع تلبية طموحات الطبقات المحرومة، التي لا تزال تداعب خيالها خطابات عدالة توزيع الثروة.

كما أن هذه المنظمة تمتلك العديد من المنصات الإعلامية المرئية والمسموعة والإلكترونية، ولديها إرث كبير من الأدبيات الثورية، ومزجها بين الإسلام الشيعي والقومية والماركسية، جعلها قادرة على مناكفة النظام الحالي، فضلاً عن انتشار عناصرها في العديد من مدن أوروبا، وحملاتها المنظمة التي تلاحق المسؤولين في النظام الإيراني في الخارج، ومؤتمراتها الدورية التي تستقطب الشركاء الرافضين للنظام الحالي.

وتأجيل المنظمة مؤتمرها السنوي، الذي كان من المقرر أن ينعقد يومي 23 و24 تموز (يوليو)، في العاصمة الألبانية تيرانا، وذلك بعد تحذيرات أمنية من جانب السلطات الألبانية والسفارة الأميركية، مؤشر إلى قوة الرغبة لدى النظام الإيراني في الانتقام من هذه الجماعة المعارضة التي استطاعت أن تهز النظام في الداخل؛ من خلال عملياتها التخريبية، على غرار ما فعلته ضد نظام الشاه من قبل.

الخلاصة

منظمة “مجاهدي خلق” هي الجماعة المعارضة الأكثر إزعاجاً لنظام ولاية الفقيه، مثلما فعلتها جماعة “الحشاشين” قديماً ضد الدولة السلجوقية؛ لكن بالنظر إلى حجم انتشارها الضعيف بين جيل الشباب؛ فهي لا تلبي تطلعات الأجيال الجديدة، ولا تستطيع أن تكون نظاماً سياسياً بديلاً؛ فهي ليست أكثر من معول في جسد النظام الحالي. هذه الجماعة المعارضة ماتت سياسياً لكنها لم تنته عملياً بعملياتها النوعية والمنظمة ضد السلطة في إيران.

الضغوط التي يمارسها النظام الإيراني على فرنسا وعلى أوروبا تثبت أنه قادر على محاصرة هذه الجماعة في أوروبا وفي ألبانيا، وإن هذه الجماعة تلعب دوراً مهماً كعناصر استطلاع داخل إيران لمصلحة الغربيين والإسرائيليين، وهو ما يجعل النظام الإيراني يتوعدها دائماً بالملاحقة والاجتثاث.

الدعم الذي يقدمه الغرب والولايات المتحدة لجماعة “مجاهدي خلق” لا يأتي في إطار محاولة اختراق إيران من الداخل فحسب؛ بل يأتي في إطار استراتيجية المحافظة على نظام فاشل في إيران، يضمن لهما تجميد قوة إيران الإقليمية والدولية عند مستوى محدد.

نقلا عن النهار

 

الكاتب
يوسف بدر

عنوان المقال

جماعة “مجاهدي خلق”… “الحشّاشون” الجدد في إيران!

نقلا عن العربية نت

Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
التقيمات المضمنة
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى

يستخدم موقعنا الإلكتروني ملفات تعريف الارتباط وبالتالي يجمع معلومات حول زيارتك لتحسين موقعنا (عن طريق التحليل) ، وإظهار محتوى الوسائط الاجتماعية والإعلانات ذات الصلة. يرجى الاطلاع على صفحة سياسة الخصوصية الخاصة بنا للحصول على مزيد من التفاصيل أو الموافقة عن طريق النقر على الزر "موافق".

إعدادات ملفات تعريف الارتباط
أدناه يمكنك اختيار نوع ملفات تعريف الارتباط التي تسمح بها على هذا الموقع. انقر فوق الزر "حفظ إعدادات ملفات تعريف الارتباط" لتطبيق اختيارك.

وظائفيستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط الوظيفية. ملفات تعريف الارتباط هذه ضرورية للسماح لموقعنا بالعمل.

وسائل التواصل الاجتماعييستخدم موقعنا الإلكتروني ملفات تعريف الارتباط الخاصة بوسائل التواصل الاجتماعي لعرض محتوى تابع لجهة خارجية مثل YouTube و FaceBook. قد تتعقب ملفات تعريف الارتباط هذه بياناتك الشخصية.

أعلاناتيستخدم موقعنا الإلكتروني ملفات تعريف ارتباط إعلانية لعرض إعلانات الجهات الخارجية بناءً على اهتماماتك. قد تتعقب ملفات تعريف الارتباط هذه بياناتك الشخصية.