آراء متنوعة

بين «الأهرام» و«المقطم»

ارتبط تأسيس الصحف بالوضع أو الحالة السياسية العامة، كل وضع سياسى يحتاج تعبيرًا عنه وصياغة له وقد يفرز حالة من الرفض له أو الجدل معه، وهذا كله يتم عبر وسيلة إعلام ما، كانت الصحف هى البداية، قبل الإذاعة والتليفزيون، فضلًا عن المواقع الإلكترونية مؤخرا.

وحين قامت ثورة ١٩٥٢، كان لدى مصر أجيال من الصحف والمجلات، هناك جيل الخديو إسماعيل، ثم مرحلة الاحتلال البريطانى ولحظة فشل المشروع الوطنى لأحمد عرابى والبارودى، ثم مرحلة الخديو عباس حلمى، بدءًا من يناير ١٨٩٢، حيث استعادة العافية الوطنية والعمل على الخلاص من الاحتلال ثم حقبة أو لحظة ثورة ١٩ المجيدة.

كان لافتًا للنظر إغلاق بعض الصحف والمجلات بعد استقرار اللواء محمد نجيب والضباط الأحرار مباشرة على عرش مصر، جاء قرار الإغلاق «طوعًا» من القائمين على تلك الصحف وليس بتدخل حكومى ولا قهر سياسى، حدث ذلك فى مطبوعات سياسية وأخرى اجتماعية وثقافية أو أدبية- بتعبير ذلك الزمان- فى توقيت متقارب أغلقت مجلة «الرسالة»، كان يصدرها أحمد حسن الزيات، وأغلقت مجلة «الثقافة» وكان أحمد أمين رئيس التحرير، تصدر عن لجنة التأليف والترجمة والنشر، وكذلك مجلة «الكتاب»، أصدرتها دار المعارف وكان يترأس تحريرها عادل الغضبان، وهى مجلات قامت بدور مهم فى الحياة الثقافية العربية، وجاء توقفها لأنها كانت تعتمد إلى حد كبير فى مبيعاتها وتوزيعها على اشتراكات ومشتريات وزارة المعارف العمومية، لتوضع الأعداد فى مكتبات المدارس، ولا نعرف أى جهبذ إدارى زعم أن تلك الاشتراكات إهدار لأموال الوزارة فأوقفت الاشتراكات، كان يجب أن يبذل السادة مسؤولو تلك الإصدارات جهدًا فى التصدى لتلك الجهالة والتفاهة الإدارية، وضحالة فهم معنى الحفاظ على المال العام، وكانوا قادرين على ذلك، كان محمد نجيب وجمال عبدالناصر بحاجة إلى مساندتهم، لكنهم قرروا كل بطريقته التوقف عن الصدور. ربما شعر كل منهم أنه أدى دوره وربما أصابتهم إجراءات اللواء محمد نجيب القاسية، رغم مظهره الودود، بالخوف؛ فآثروا السلامة. المجلات الثلاث ساندت بقوة حركة الضباط الأحرار من اللحظة الأولى، كان هناك تنافس فى المساندة المطلقة بين الأستاذين سيد قطب ومحمد فريد أبوحديد، قطب على صفحات «الرسالة» يريدها ثورة باطشة /ساحقة بحق خصومها وحق رموز العهد الملكى، لم يستثن حتى أساتذته وأصحاب الفضل عليه، أبوحديد، على صفحات الثقافة يريدها ثورة أخلاقية، فى المقام الأول، تهز القيم العامة، ولم يتغير موقفه هذا ولا تحول عنه بعكس منافسه سيد قطب، الذى صار إخوانيًّا، أما مجلة الكتاب فقد كتب لها العقاد، كما كتب للهلال، عدة مقالات، فى مساندة الثورة، له دفاع مهم وشرح وافٍ ومعمق لقانون الإصلاح الزراعى الأول على صفحات «الكتاب»، طلب من كبار الملاك أن يشكروا الثورة على هذا القانون، الذى يحميهم من ثورة شيوعية تعلقهم جميعًا على المشانق لو قامت، وكانت فى رأيه قاب قوسين لولا تحرك الضباط الأحرار ليلة ٢٣ يوليو ١٩٥٢.

الرسالة والثقافة صدرتا فى الثلاثينيات، ردًا على الفزع والخوف الثقافى من رحيل أحمد شوقى وحافظ إبراهيم معًا، فى توقيت متقارب عام ٣٢، الكتّاب صدرت مع الانتعاش فى حركة النشر والثقافة فى مصر بعد الحرب العالمية الثانية.

مجلة الهلال استمرت، رغم أنها الأقدم عمرًا، صدرت فى سبتمبر ١٨٩٢، مع صعود عباس حلمى والحركة الوطنية المصرية، لم تعتمد فى توزيعها على وزارة المعارف، بل على الأفراد واشتراكاتهم، فضلًا عن التوزيع بكثافة خارج مصر، فى السودان وبلاد الشام خاصة. مجلة الهلال صدرت حولها مطبوعات مؤسسة دار الهلال، التى صدر ت بقية مطبوعاتها بعد ثورة ١٩، مجلة المصور صدرت سنة ١٩٢٤، أى بعد عام من صدور الدستور وفى ظل حكومة سعد زغلول رئيس التحرير فكرى أباظة كان من نجوم الثورة، فضلًا عن أنه ابن الحزب الوطنى، الذى أطاح باللورد كرومر من مصر، حزب مصطفى كامل ومحمد فريد.

كان لافتًا أن جريدة «المقطم» توقفت، كانت الجريدة الأشهر فى زمانها، لكنها صدرت واستمرت فى حضن سلطة الاحتلال البريطانى، فى أوقات عديدة كانت الصوت المباشر للاحتلال، وكان الجميع يدرك ذلك، أيام دنشواى كانت صوت ولسان المحتل، ولم يتغير التوجه بعد ذلك، ربما تخف الحدة والنبرة، لكنها لم تختف. ويبدو أن القائمين عليها أدركوا أن دورهم انتهى، كان الاحتلال البريطانى يستعد للرحيل عن مصر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، كان الأمر معطلًا لأن الحكومات المصرية لم تستجب لمطالبهم بخصوص السودان ثم قناة السويس، وفى ظل حكومة الوفد الأخيرة اقتنع محمد صلاح الدين (باشا) وزير الخارجية بضرورة التفاهم فى نقاط الخلاف مع الإنجليز، لكن حريق القاهرة وإقالة الحكومة عطّلا كل شىء، بعد ثورة٥٢، بدا أن الإنجليز أكثر استعدادًا للتفاهم، وراحوا ينفضون أيديهم من صحفهم وصحفييهم، تعمدوا تسريب قائمة أسماء من يتلقون مصاريف سرية بين كبار الصحفيين، ولم ينطقوا بكلمة حين أصدر عبد الناصر قرارًا باعتقالهم جميعًا، هنا كان طبيعيًّا أن تغلق المقطم أبوابها ويذهب كل من فيها بسلام حيث أراد. ربما كان ذلك القرار مريحًا لجميع الأطراف، لم تلجأ الصحيفة لتغيير جلدها ولا بحثت عن ممول أو راع جديد.

وقد ربط بعض الباحثين بين جريدة الأهرام والمقطم، وتوقع بعضهم أو افترض أن تتوقف الأهرام هى الأخرى، كانت الأهرام- وما زالت- أقدم الصحف المصرية، صدرت فى الإسكندرية سنة ١٩٧٦، ذروة النهوض فى عصر الخديو إسماعيل، أسسها سليم وبشارة تكلا، هما من لبنان الشقيق، لكن أولاد تكلا مثل أولاد زيدان فى الهلال، ربطوا مصيرهم ومشروعهم بالحالة المصرية، كانت لديهم صلات وثيقة بالفرنسيين، كثقافة فى المقام الأول، لكن الرهان الأول والأخير كان على الحالة المصرية، وحدث سنوات التسعينيات وفى ذروة معارك انتخابات نقابة الصحفيين وتكرار ترشح ونجاح الراحل الأستاذ إبراهيم نافع، وكان رحمه الله نقيبًا ناجحًا؛ جرى تناوش صحفى حول الانتخابات، رحت أنا وعدد من الزملاء نحذر مما أطلقت عليه «أهرمة الصحافة المصرية»، تلك الحقبة التى شهدت مقولة مؤسسات الشمال فى مقابل مؤسسات الجنوب، فى المقابل ظهر فريق من الزملاء يطعنون فى تاريخ الأهرام كله وفى المؤسسة بكاملها، وراحوا يربطون الجريدة بجريدة المقطم ذات التاريخ الاستعمارى، واعتبروا الأهرام هى الوجه الآخر للمقطم، والفارق كبير جدًا جدًا بين الجريدتين.

فى مطلع الخمسينيات لم تكن الأهرام فى أفضل أحوالها، كانت تنتمى إلى أجيال عتيقة وتعبر عنهم، ولم تكن تجارى «المصرى»، صوت حزب الوفد والتى احتضنت الاتجاه الطليعى به ومعه الاتجاهات التقدمية/الجديدة، وكانت هناك «أخبار اليوم» التى اقتربت من القصر الملكى وعبرت عن النهج الأمريكى الذى بدأ يسيطر بعد انتهاء الحرب العالمية. وكانت هناك مجلة روزاليوسف وقد دفع بها إحسان عبد القدوس إلى ملامسة الخطوط الحمراء سياسيًّا.

لا يمكن القول إن جريدة الأهرام كانت متكلسة، كانت معمقة فى تناول كثير من الأمور، سياسيًا وفكريًا، كان لديها شبكة من «المكاتبين»، فى أوروبا على أرفع مستوى مهنى، لكنها كانت صحيفة تخاطب وتستهدف النخب الاجتماعية والسياسة والثقافية، جريدة الأعيان فى القرى والأقاليم، وباشوات السياسة والثقافة، ولعل هذا ما دفع البعض بعد توقف المقطم، توقع حدوث الشىء نفسه للأهرام، ثم ازداد التوقع بعد إغلاق المصرى سنة ١٩٥٤، خاصة أن بقايا آل تكلا، كانوا فى طريقهم إلى الاستقرار فى فرنسا، غير أن ملاك الأهرام أرادوا للجريدة أن تصبح مؤسسة حديثة وليست ملكية عائلية وهكذا كان لها مجلس إدارة يضم نخبة من كبار العقول الإدارية والسياسية فى مصر، وقرر هذا المجلس إنقاذ الجريدة من الخسائر وانهيار التوزيع باختبار رئيس تحرير، يعد غريبًا تمامًا عن جو ومناخ الأهرام، لكنه يمكن أن يضعها فى قلب اللحظة والحدث، وهو محمد حسنين هيكل.

كان هيكل ينتمى صحفيًا إلى مؤسسة أخبار اليوم، الأحدث فى الصدور والأحدث فى التحرير الصحفى، وبهذا يمكنه الانتقال بالجريدة العريقة من تقاليد القرن التاسع عشر إلى اللحظة الحاضرة، هو كذلك لديه صلة وثيقة بمجموعة الحكم الجديدة، خاصة جمال عبد الناصر. من يقرأ مقالات هيكل وقتها فى «أخبار اليوم» أو فى مجلة «آخر ساعة»، وكان رئيس التحرير يسهل عليه تبين صلاته الواسعة، ولم يكن يبالغ فى ذلك.

كتب هيكل أن «على الشمسى باشا» أول من فاتحه سنة١٩٥١، كى ينضم للأهرام مساعدًا لرئيس التحرير فرفض، كان طبيعيًّا أن يرفض مغادرة موقع رئيس تحرير آخر ساعة، مجلة ناجحة ومنتشرة، مقابل منصب محدود فى جريدة تقليدية، ربما أراد الشمسى باشا أن يأتى إلى الأهرام وتعاد صياغته مهنيًّا بها. الشمسى باشا كان وزيرًا للمعارف وللمالية فى العهد الملكى، هو من رجال الإدارة المعدودين ومن الجناح الثورى سنة ١٩١٩، ينتمى إلى مدرسة سعد زغلول، هذا الرجل الذى كان محبًّا لهيكل ويراهن عليه، هو تقريبًا خال نائب رئيس الجمهورية على صبرى الذى جمعته هو وهيكل كراهية عميقة.

هذه الواقعة التى ذكرها هيكل تكشف أن القائمين على «الأهرام » كانوا مدركين الوضع الصحفى فى مصر، وضرورة إدخال درجة من التجديد إلى الجريدة وإدخال دماء وتقاليد مهنية جديدة، تجعل الصحيفة الأقدم قادرة على منافسة التجارب والنماذج الجديدة. لا نعرف هل عرض القائمون على الأهرام الانضمام إلى الجريدة على صحفيين آخرين، أم أن التفكير كان وقفًا على هيكل وحده؟!.

جرت الأمور السياسية على النحو المعروف، وقع التغيير السياسى الكبير والعميق سنة٥٢. صار التجديد بالنسبة للأهرام ليس ضرورة مهنية فقط، بل سياسية كذلك، لمع اسم هيكل أكثر، وبدا أنه النجم القادم، أعاد الشمسى «باشا» العرض سنة ٥٥ على هيكل كرئيس للتحرير هذه المرة، وتكرر الاعتذار، ثم تجدد العرض سنة ٥٦، وافق وتم التوقيع المبدئى، لكنه سحب التوقيع وتراجع أمام تمسك الأخوين أمين به، فى العام التالى وبسبب أزمات داخل أخبار اليوم وانسداد الأفق أمامه بها، كان هو من ذهب إلى الشمسى باشا يعرض نفسه على الأهرام، وهناك كتبت له شهادة ميلاد صحفية جديدة وكذلك شهادة ميلاد جديدة للأهرام، إضافة إلى تاريخها السابق.

* نقلا عن “المصري اليوم “

 

الكاتب
حلمي النمنم

عنوان المقال

بين «الأهرام» و«المقطم»

نقلا عن العربية نت

تابع موقع مانكيش نت على جوجل نيوز

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
التقيمات المضمنة
عرض جميع التعليقات

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

يستخدم موقعنا الإلكتروني ملفات تعريف الارتباط وبالتالي يجمع معلومات حول زيارتك لتحسين موقعنا (عن طريق التحليل) ، وإظهار محتوى الوسائط الاجتماعية والإعلانات ذات الصلة. يرجى الاطلاع على صفحة سياسة الخصوصية الخاصة بنا للحصول على مزيد من التفاصيل أو الموافقة عن طريق النقر على الزر "موافق".

إعدادات ملفات تعريف الارتباط
أدناه يمكنك اختيار نوع ملفات تعريف الارتباط التي تسمح بها على هذا الموقع. انقر فوق الزر "حفظ إعدادات ملفات تعريف الارتباط" لتطبيق اختيارك.

وظائفيستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط الوظيفية. ملفات تعريف الارتباط هذه ضرورية للسماح لموقعنا بالعمل.

وسائل التواصل الاجتماعييستخدم موقعنا الإلكتروني ملفات تعريف الارتباط الخاصة بوسائل التواصل الاجتماعي لعرض محتوى تابع لجهة خارجية مثل YouTube و FaceBook. قد تتعقب ملفات تعريف الارتباط هذه بياناتك الشخصية.

أعلاناتيستخدم موقعنا الإلكتروني ملفات تعريف ارتباط إعلانية لعرض إعلانات الجهات الخارجية بناءً على اهتماماتك. قد تتعقب ملفات تعريف الارتباط هذه بياناتك الشخصية.