آراء متنوعة

بلد الطوابير

لطالما تطلع عشاق النظام إلى بريطانيا باعتبارها بلدا يتميز باصطفاف الناس في طوابير منتظمة لقضاء أغلب أشغالهم. وينظر للشعب البريطاني على أنه يقدر النظام ويربى عليه من الصغر. وكانت تلك أول ملاحظة لي حين انتقلت إلى بريطانيا قبل أكثر من ربع قرن: بلد طوابير. خاصة وأنا القادم من بلد عز فيه النظام وقل فيه احترام النظام وقتها. لكن بلد الطوابير ما عادى يهوى الطوابير، خاصة وأنها استطالت وأصبح تحركها أكثر بطءا منذ عام الوباء. فإجراءات الحماية وأحيانا نقص المنتجات جعل الطوابير على محلات السوبر ماركت وغيرها تجربة لا تسر بل عرضا لتدهور أصاب مفاصل البلد الذي كان يضرب به المثل في التقدم من قبل. زاد من غضب البريطانيين من الطوابير تكرار حالات “شراء الهلع” – أي الاقبال الشديد على شراء سلعة تسري شائعة أنها قد تختفي من على الأرفف. ولكون النتيجة أنها تختفي فعلا، ويقنن شرائها فتطول الطوابير على المحلات أكثر. ولعلنا نتذكر الطوابير لشراء “ورق التواليت” والمكرونة وغيرها مع أول اغلاق للحد من انتشار كورونا ربيع العام الماضي. هذا الأسبوع طفح كيل البريطانيين من الطوابير على محطات البنزين لملء سياراتهم بالوقود. رغم أن البلاد لا تعاني نقصا في البنزين أو مشتقات البترول عموما كنا تصر الحكومة إلا أن نقل الوقود من مصافي التكرير إلى محطات البنزين في أنحاء البلاد يعاني مشكلة نقص سائقي الشاحنات والصهاريج. ومع “شراء الهلع” امتدت طوابير السيارات أمام محطات البنزين ليصل طولها إلى كيلومترات وتعطلت طرق وشوارع. تصر الحكومة على أنه لا يوجد أزمة، لكن الناس تعيش الأزمة بالفعل فلا تصدق الوزراء. ولا تريد الحكومة أن يكرر الناس حقيقة أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي – بريكست – هو السبب في نقص أعداد السائقين. إنما الناس تدرك هذه الحقيقة. فبريطانيا تعاني نقصا يصل إلى حوالي مئة ألف سائق شاحنة. وفي العام الأخير ترك حوالي خمسة عشر ألف سائق من دول أوروبا بريطانيا وعادو إلى بلادهم نتيجة بريكست. ليس النقص فقط في السائقين، بل في العمال الموسميين سواء في الزراعة أو قطاع المطاعن والضيافة. يضغط ذلك بشدة على التعافي الاقتصادي في بريطانيا، وأصحاب الأعمال يريدون تخفيف قيود الهجرة والجنسية بما يسمح بدخول العمال غير الماهرة إلى بريطانيا لكن الحكومة ترفض بشدة لأن في ذلك اعتراف بأن تحمسها للبريكست أضر ببريطانيا ومس حياة البريطانيين مباشرة وأطال طوابيرهم. رغم أزمة طوابير البنزين وارتفاع أسعار الغاز والكهرباء للبيوت واحتمال نقص بعض السلع إلا أن الحكومة تبدو قادرة على تجاوز الأزمة. فالناس تخرج غضبها في الطوابير، وعلى بعضها أكثر من على الحكومة. إنما الأهم، أن حكومة حزب المحافظين برئاسة بوريس جونسون لا تواجه معارضة سياسية قوية في الواقع. تزامنت أزمة طوابير البنزين مع المؤتمر السنوي لحزب العمال المعارض، وهو أول مؤتمر يشارك فيه رئيسه السير كير ستارمر كزعيم للحزب خلفا لجيرمي كوربن الذي أقيل نتيجة اتهامات متكررة من معارضيه. وعانى الجناح اليساري في حزب المعارضة الرئيسية من ضربات متتالية. لكن ستارمر لم يبد قيادة حازمة وقوية حتى الآن، وبالتالي وصل الحزب إلى حالة من الضعف بدت واضحة في حجم التصويت له في الانتخابات المحلية وانتخابات جزئية في عدة دوائر. غرق حزب العمال في مشاكله الداخلية وانقساماته، ما حمى حكومة جونسون من حملة سياسية تستغل مشاكلها المتتالية. ولا يبدو أن حزب المعارضة قادر بقيادة كير ستارمر على تشكيل أي تهديد انتخابي لحزب المحافظين الحاكم. وهذا ما جعل البعض يتوقع أن يبقى بوريس جونسون في الحكم “أطول مدة”. ومن عير المستبعد أن ينعكس “طول” مدة حكم المحافظين في “طول” طوابير البريطانيين انتظارا لتلبية احتياجاتهم. المشكلة المهمة التي قد تواجه بريطانيا هي أن يؤدي ضعف المعارضة، والحياة السياسية عموما، وحكم المحافظين المستمر إلى تنامي تيارات على طرفي الطيف السياسي: يمين متطرف ويسار فوضوي. ورغم أن تلك الموجة بدأت في بلدان غربية أخرى منذ فترة، إلا أنها لم تأخذ مداها الكامل في بريطانيا بعد. وبالتالي يخشى من طول طوابير الأجيال الجديدة المتجه بتطرف خارج “الوسط السياسي”. وهذه الطوابير الأخيرة هي الأشد خطرا والأكثر ضررا. فإذا كانت الطوابير على السلع والخدمات يمكن حل مشكلتها بقرارات سريعة أو حتى تغيير سياسات حكومية فإن طوابير التطرف والفوضى عميقة الأثر طويل الأمد. في النهاية تظل بريطانيا بلد الطوابير، ويظل البريطانيون منظمين حتى في ضعفهم السياسي أو تطرفهم الفكري.

 

جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

الكاتب
أحمد مصطفى

عنوان المقال
بلد الطوابير

نقلا عن سكاي نيوز عربية

Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
التقيمات المضمنة
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
0
التعليق على هذا المقال - شاركنا رأيك x
()
x

يستخدم موقعنا الإلكتروني ملفات تعريف الارتباط وبالتالي يجمع معلومات حول زيارتك لتحسين موقعنا (عن طريق التحليل) ، وإظهار محتوى الوسائط الاجتماعية والإعلانات ذات الصلة. يرجى الاطلاع على صفحة سياسة الخصوصية الخاصة بنا للحصول على مزيد من التفاصيل أو الموافقة عن طريق النقر على الزر "موافق".

إعدادات ملفات تعريف الارتباط
أدناه يمكنك اختيار نوع ملفات تعريف الارتباط التي تسمح بها على هذا الموقع. انقر فوق الزر "حفظ إعدادات ملفات تعريف الارتباط" لتطبيق اختيارك.

وظائفيستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط الوظيفية. ملفات تعريف الارتباط هذه ضرورية للسماح لموقعنا بالعمل.

وسائل التواصل الاجتماعييستخدم موقعنا الإلكتروني ملفات تعريف الارتباط الخاصة بوسائل التواصل الاجتماعي لعرض محتوى تابع لجهة خارجية مثل YouTube و FaceBook. قد تتعقب ملفات تعريف الارتباط هذه بياناتك الشخصية.

أعلاناتيستخدم موقعنا الإلكتروني ملفات تعريف ارتباط إعلانية لعرض إعلانات الجهات الخارجية بناءً على اهتماماتك. قد تتعقب ملفات تعريف الارتباط هذه بياناتك الشخصية.