الّلاجئون والاندماج، مشكلة ثقافات

الكاتب: لويس اقليمس
الّلاجئون والاندماج، مشكلة ثقافات
لويس إقليمس

شهدت أوربا مؤخرًا، موجات متهالكة من اللاجئين، الذين تنوعت أسباب هجرهم لأوطانهم وطلبهم اللجوء إلى بلدان أخرى، تاركين وراءهم ما حصدوه من ضيمٍ ومظالم وآلام وأزمات ومآسي. وقد تناقلت وسائل الإعلام، بين مؤيّد ومتعاطفٍ مع تطلّعات وأماني اللاجئين والدول التي استقبلتهم، وبين متحفظ أو رافضٍ للطريقة التي تم بها قبول مئات الآلاف تحت ضغوط مختلفة، من دون تحسّب للنتائج. فالمسألة في الرأي الأخير، تتعلّق بقُصر نظر الهاربين من مسؤولية أوطانهم وبالتالي بالخوف من إفراغهذه الأخيرة من طاقاتهم وطاقات أجيالهم اللاحقة، إلى جانب ما يمكن أن تحمله هذه المسألة من إشكالات في بلدان الاستيطان الجديدة التي آوتهم، ومن ثم من مخاطر وأزمات على أصعدة كثيرة، غير محسوبة النتائج وطنيًا واجتماعيًا وثقافيًا وديموغراقيًا.
وسواءً كانت الأسباب الأساسية لهؤلاء المهاجرين ترقى إلى مستوى المخاطرة وتحدّي الصعاب للوصول إلى برّ الأمان والظروف الهانئة التي طالما حلموا بها والكفيلة بتوفير حياة آدمية وحرية مطلقة، بعد أن فقدوا هذه جميعًا وغيرها في بلدانهم الأصلية، فإنّ المسألة فيها نظر من أوجه مختلفة. فاختلاف الثقافات وتباين نمط الحياة، وكذا استحضار الماضي المأساوي في بلد الأصل في وسطٍ مغاير جديد تمامًا يقدّم كلّ أنواع المساعدة من حريةومأكل وملبس ومادة وضمان اجتماعي وصحّي وفرصة عمل متاحة للمتأهّل له، كلّ هذه المتغيّرات ستفرض حالَها على المهاجر الذي من المفترض، أن يتحوّل إلى إنسان آخر مختلف تمامًا عن أسلوب حياته السابقة في الفكر والتصرّف والرؤية والمستقبل والتطلعات.
وبطبيعة الحال، ليس من السهل على الجميع، ولاسيّما القادمين من مجتمعات عربية وأفريقية وبالذات الإسلامية منها، التكيّف للظروف الجديدة وبلوغ الاندماج، حتى جزئيًا أحيانًا، مع المجتمعات الجديدة التي لها خلفيتُها المتميزة الدينية والثقافية والاجتماعية والحضارية. وكذلك سيلاقي القادم الجديد صعوبات متنوعة قدتقف حائلاً أمام التطبّعمع النمطالآخر لحياة تختلف عن ماضيهم الذي تركوه خلف الحدود، والذي أبسط ما يمكن القول فيه، أن حياتَهم السابقة كانت تجري في فوضوية وشمولية ولا تؤمّن العيش الكريم الذي يستحقه الإنسان في بلده. والأسباب كثيرة، ومنها شمولية الأنظمة، واستشراء الفساد في أوساط السياسيين، وتسلّط أحزاب دينية وطائفية وفئوية على الساحة وسطوتها على مقدّرات بلدانها وثرواتها ومناصبها، وترك عامة الشعب في بلاء وخراب ودمار وفاقة وفقر مدقع يزداد يومًا بعد آخر. أي قصارى الكلام، لم تكن كل هذه الحشود المتهافتة على حدود الدول، بالرغم من كلّ المخاطر والتحديات، أن تقوم بهذه الخطوة لو لم تكن قد فقدت الأمل وأضاعت الرجاء وحصدت الخيبة من زعمائها الفاسدين المتسلطين على رقابهم بشتى الوسائل.
تبقى مسألة الاندماج في المجتمعات الجديدة، من أكبر التحديات بعد اجتياز عتبة الحدود الشاقة بمراحلها المختلفة. وهذه لا تأتي من دون وعيٍ وإرادة بضرورة التكيّف مع مقتضيات القوانين المعمول بها في دول اللجوء وباحترام ثقافاتها وتنوّع هذه الأخيرة، مقابل توفير بلدان اللجوء للوسائل التي تكفل المشاركة الفاعلة والوجدانية وسط حياة مجتمعاتها الراقية. أي أنّ ظروف الاندماج في المجتمعات الجديدة، لا تتكامل من دون توفر عنصر التسامح والانفتاح واحترام التنوع والاختلاف عند الآخر، في الدين والمذهب واللون والجنس والعرق. وهذا ما تؤكد عليه دول الاستقبال دومًا. فمن دون هذه العناصر الأساسية في الحياة الجديدة للقادم الجديد، لا يسهل العيش ولا تُتاح الحياة الطبيعية. وهذا ما نلمسُه ونقرأُه من معوّقات ومشاكل في صعوبة اندماج لاجئين قادمين من بلدان منكفئة على ذاتها، منعزلة، متخلّفة، قد أعمتها أفكارٌ متطرّفة وغلّفتها نياتٌ شرّيرة وأطبقت عليها أحكامٌ مسبقة ونوايا مبيّتة للنيل من البلدان التي فتحت لهم أبوابَها بنوايا إنسانية حسنة. فمثل هؤلاء، لا يمكن لهم التكيّف والاندماج في مجتمعات متمدنة تمنح للإنسان قيمتَه العلياوتتيح له حياة طبيعية آدمية يستحقها، ولم يحظى بها في بلده، والسبب لأنهم عميان في البصر والبصيرة!
ولعلَّ أخطر ما تواجهه المجتمعات الجديدة من قبل هؤلاء المغالين في أفكارهم والرافضين لفكرة الاندماج في المجتمعات المتحضرة الجديدة، خروجهم على النظام العام وخرق القوانين ومحاولة فرض ثقافاتهم المتخلفة على المجتمعات التي آوتهم وسهّلت قبولهم في أوساطها، أملاً بأخذ دورهم الطبيعي في أداء واجبهم مقابل حقوقهم التي كفلتها لهم هذه القوانين والأحكام، التي افتقدوها في بلدانهم الأصلية. فمسألة احترام الآخر المختلف، في الدين وفي التوجه السياسيّ والتصرّف الاجتماعيّ، وفي القيم والتصوّرات الفكرية والتراثية والحضارية، تبقى الأساس في صون هدف الاندماج والتكيّف مع الواقع الجديد. كما على القادم الجديد أن يعي أن مجتمعات هذه البلدان لم تكن لتصمد وتتطوّر وتتقدّم ضمن سلّم الرقيّ والتنمية والتطوّر إلاّ بفضل تنوّعها الديني والاتني والشكلي واللونيّ والجنسيّ والحريات المفتوحة المتاحة للجميع من دون تمييز.
فالّلاجئ، عليه إذن، احترام البلد الذي استضافه والمجتمع الذي قبله فيه، ليكون عضوًا فاعلاً كاملّ الأهلية والاستعداد للمساهمة في بناء وطنه الثاني الذي وفّر له المأوى والمأكل والملبس وحرية الفكر والتعبير وحلم الأمن والعيش الرغيد التي طالما تاقَ وسعى للوصول إليها وقاسى من أجلها، ليعيش آمنًا مطمئنًا تحت أجنحة هذه البلدان الجميلة الآمنة المتطورة. وإلاّ لن يتحقق التماسك المجتمعي، ما لم يحصل مثل هذا التكيّف مع ظروف الحياة الجديدة التي نقلته من حالٍ إلى حال، ليسَ بتقوقعه وانعزالِه وانكفائِه على ذاته وعلى أفراد مجتمعه السابق، بل بارتفاعِه وارتقائِه إلى مستوى الناس والمجتمعات الجديدة التي انتقل إليها وأصبح يشكل فردًا من عناصرها.
من هنا يكون انفتاحُه على ثلاثة محاور أو أوجه جوهرية: ارتقاؤُه إلى مستوى الوعي الثقافي والحضاري في المجتمع الجديد، شعوره بالاستقلالية في توجهاته الجديدة التي تفرض عليه احترام خيارات الآخر المختلف عنه، وأخيرًا تحصين الذات من أية تأثيرات سلبية أو أفكار رجعية متخلّفة زُرعت في مخيلته وقد ترافقه أو يسعى للاحتفاظ بها باعتبارها من المقوّمات التقليدية الرائجة في حياته السابقة، بالرغم من إدراكه بانتفاء الحاجة إليها بقدومه والقبول بالعيش في المجتمع الجديد. فهو إذن، مدركٌ لاختلاف مجتمعه السابق عن الجديد وما يفرضه هذا الأخير من واجبات ومسببات إيجابية للتغيير. وبذلك، لا يمكن للتماسك المجتمعي أن يحصل من دون هذه التغييرات والتكيّفات وأشكال الاندماج الضرورية.
ولعلّ من أهمّ الأولويات التي ينبغي للّاجئ أن يلمّ بها أيضًا، تعرّفه على حقوقه وواجباته حالَ وطأة رجله بلد الهجرة. بل إن مجرّد تفكيره بالهجرة واللجوء خارج بلده، يفرض عليه من حينها الاقتناع بضرورة تصوّر ما ستفرضه حياتُه الجديدة هناك. وهذا من شأنه أن يقلّل من تأثير تحسّسه إزاء الوضع الجديد حين يجد نفسَه وسط مجتمع مختلف يقدّر شخصَه ويحترم آدميتَه ويضعه في مصاف إنسان متكامل يستحق الحياة، تمامًا كما أرادها له خالقُه.
وإذا كانت لغة البلاد الجديدة وفهم القوانين المجتمعية، تقف للوهلة الأولى حاجزًا ومعوّقًا في هذا الاندماج، فإنّ سياسات هذه الدول المتقدمة، قد وضعت في برامجها كيفية الأخذ بأيادي هؤلاء الّلاجئين ومساعدتهم على تجاوز هذه العقبة من خلال الوسائل التي تتيح لهم التجاوب مع هذه البرامج المتنوعة. فالغرب المتقدّم، قد أخذ في حسبانه معالجة كلّ هذه المعوّقات والمصاعب، سعيًا وراء تسهيل موضوعة الاندماج والتكيّف والتطبّع. فاللغة تبقى السبيل الأقرب والأسهل للتفاهم وتبادل الخبرات والأفكار والآراء ومن ثمّ التجاوب مع المستجدّات والتطوّرات في أجواء من التسامح والاحترام والقبول بالآخر المختلف. أمّا التقوقع والانعزال والانكفاء على الذات، فهو يعني الانتحار البطيء وعزل الذات عن المجتمع ورفض العناصر الجديدة التي من أجلها سعى الّلاجئ لتغيير منهج حياته نحو الأفضل وليس التراجع أو الإبقاء على مفردات حياته السابقة التي لم تجلب له سوى العوق النفسي والصعوبات الكثيرة التي أخذت بخناقه وأوصلته لحدّ القطيعة مع تراب أرضه وبلده ونظامه المتهرّئ الذي لم يحترم له آدميتَه، بل لفظَه من دون أسف.
إنه التحدّي الكبير، وعلى اللاجئين القبول بالمعطيات الجديدة، من أجلتغيير منهج وأسلوب وتطلعات حياتهم في بلدهم الثاني.

بغداد، في 26 تشرين ثاني 2015

..

يمكنك مشاهدة المقال على منتدى مانكيش من هنا