آراء متنوعة

الفلسفة والعقل البشري

من أروع ما يمكن البدء به في مثل هذا الموضوع هو ما بدأ به جون سيمونز مقالته الرائعة: «الفلسفة، أسلوباً للحياة» كمقدمة لسلسلة مقالات كتبها لمنصة «معنى»، ترجمها إبراهيم الكلثم، في أبريل 2019، حيث قال: «الفلسفة مشروع شخصي للغاية، الفلسفة رغبة في أن يفهم المرء نفسه والكون من حوله فهماً تاماً وكاملاً». ويرى سيمونز، أن كل من «يفكر» لا بد أن يطرح أسئلة فلسفية، لا يجاب عليها من خلال إجراء استطلاعات رأي أو تجارب مخبرية، ولا يمكن أن يجيب العلم منفرداً عنها، إذ إن العلم محدد بأطر دقيقة لا يمكن تجاوزها، وهذه الأسئلة من قبيل: كيف أعيش؟ ماذا يمكنني أن أعرف؟ ما الذي ينبغي علي أن أهتم بشأنه؟ ما هو الواقع؟».

وفي مقالة نشرتها منصة «كيوبوست» في نوفمبر 2019، بعنوان: «كيف نظر الفلاسفة القدماء إلى معنى الحياة، والهدف منها؟» لإيفلين مارينوف. تقول، «لقد كان السؤال حول معنى الحياة والغرض منها ملحاً وأساسياً على مر التاريخ، جذب أعظم العقول البشرية لقرون من الزمن. وقد كانت الإجابات على اختلافاتها ترجع إلى بدايات الأشياء، وإلى أصول وجودنا، وإلى أسباب خلق البشر، وإلى سعينا لتحسين الذات، وكذلك إلى الدين.

ويمكن القول إن العقول الفذة قدمت تفسيرات شافية لكل ما تدور حوله الحياة الجيدة، ولكل ما يجعلنا سعداء ومغمورين. لو تحدثت إلى أحد علماء الفيزياء أو الأحياء حول الغرض من وجودنا، فمن المحتمل أن يخبرك القصة الرائعة حول الانفجار الكبير (Big Bang)، وحول أصول وجود الكون، وتطور الأنواع إلى حيث نحن اليوم، لكن التطور ليس ما يدفعنا حقاً إلى الكفاح من أجل العيش وسط محن الحياة، أليس كذلك؟

المسألة أكبر من ذلك بكثير. إن السؤال حول معنى الحياة يتمحور حول وجود البشر ككائنات لديها عقول وطموحات وأحلام وأهداف وإحساس بالوعي الذاتي.

ولذلك، عندما تفكر في الأسباب التي تدفعك إلى الوجود، فعليك أن تفكر فعلياً في مجموعة خطوط تتمحور حول القيم والمجتمع والعائلة والتناسل وغيرها من المسائل».

ومما قاله سيمونز في مقالته آنفة الذكر: «أحد الجوانب الصعبة في البحث الفلسفي هو أنه يضطرك إلى ملاحظة أنه ينبغي أن تصبح مفكراً مسؤولاً، إذ إننا نعيش في عصر تأريخي يعتبر الغباء والعناد فضيلتين في قطاع عريض من الثقافة الرائجة الغربية.

إن الفلسفة في أفضل حالاتها تجعلك أكثر تواضعاً، فهي تجبرك على أن تدرك قصورنا ككائنات مفكرة، وذلك يتطلب شجاعةً أيضاً، إذ يصعب أن تمتلك شجاعة تغيير رأيك عندما تكون مخطئاً، فذلك أمر في غاية الصعوبة، خصوصاً في الثقافات الغربية حيث يحتفى بالخيار الاستهلاكي ويتحكم فيه، وإدراك الفرق بين الرأي والحقيقة وتجنب قبول الادعاءات لمجرد أنها لطيفة وسارة يعد ذلك بالنسبة لعديد منا أمراً صعباً. فالبحث الفلسفي يتحداك بدلاً من أن يتملقك».

هذه التساؤلات البسيطة التي طرحتها إيفلين، وسيمونز، تجعل من الأهمية بمكان أن نضع العقل البشري قائداً للفلسفة ومسيطراً عليها، لا العكس، حيث إن العقل البشري هو المنشئ للفلسفة كقواعد تضبط عملية التفكير، ويجب ألا تقوده تلك القواعد بشكل مطلق، وهذا يحيلنا إلى سؤال مهم: ما مفهوم الفلسفة في بداياتها الأولى؟ والتي غالباً ما تكون أولية وبسيطة بعيدة عن التراكمات والتعقيدات التي هي عليه الفلسفة اليوم، ومفهوم الفلسفة في العالم القديم كان عبارة عن بحث يفضي إلى إحراز معرفة واثقة بالحقيقة المبحوث عنها، فالفلسفة: هي البحث عن الحقيقة في ما يتعلق بطبيعة الكون والإنسان، وهكذا كانت تفهم في العالم القديم، وحتى يتضح الأمر أكثر فإن بدايات فلسفة البحث عن الحقيقة بدايتان:

الأولى: قبل (600 ق.م) في مدينة أيونيا وهي مدينة إغريقية قديمة تقع على البحر الأبيض المتوسط، وتقع بالقرب من مدينة إزمير بتركيا اليوم، وشهدت ولادة الفلسفة، وهناك ذاعت شهرة هوميروس، صاحب الإلياذة والأوديسة منذ القرن التاسع قبل الميلاد، والفلسفة حينها كانت عبارة عن تعجب وفضول وتطلع إلى معرفة طبيعة الأشياء، والرغبة بالمعرفة من أجل المعرفة فحسب، ولم تكون الأشياء على ما هي عليه؟ ولماذا تحدث كما تحدث؟ وهذا ما يسميه أرسطو، بداية كل فلسفة.

أما البداية الثانية: وهي البداية الإيطالية، في المدن الإغريقية، حينما انتقل مركز الحياة العقلية خلال الجزء الأخير من القرن السادس قبل الميلاد إلى دويلات المدن الجميلة والقوية في جنوب إيطاليا وصقلية بسبب غزو الفرس لأيونيا عام (546 ق.م).

وهنا اختلفت حقيقة «البحث عن الحقيقة» عما كانت عليه البداية الأولى في المدرسة الأيونية، حيث أضحت المدرسة الإيطالية تبحث عن حقيقة التأله، بغية الإفلات من الحياة الفانية، بمعنى العودة إلى الأصل الإنساني كإله، وهذا مما يبدو لي أنه بحث عن سؤال الخلود بأي شكل كان، وليس تألهاً بالمعني الحقيقي للإله كما هو في معتقدات الإغريق.

هذه كانت البدايات الأولى للفلسفة، والفلسفة بعد ذلك وجدت في الحضارات الشرقية كالصين والهند، غير أن الفلسفة الإغريقية التي جاءت بعد ذلك وسيطرت على العالم القديم، استفادت من سابقاتها وهضمت نظريات الفكر التي ظهرت في مصر وآسيا، وشكلت فلسفة جديدة لم تكن معروفة سابقاً.

اليوم الفلسفة ومسلماتها هي التي تقود العقل البشري، وليس العكس، وكل تكوين اجتماعي يتحرك ضمن منظومة فلسفية واحدة متراكمة اختلط فيها الإلهي بالبشري: وحياً وحقائق وأساطير لتكون ثقافة ذلك التكوين، والفلسفة نفسها شريكا في خلاصه، أو في دماره، فهل الفلسفة أداة إلهية أم أداة شيطانية، أو يمكن تحويرها على كلا الطريقين؟ وهي التي نشطت مع الوثنيين، وفي الوقت ذاته جل الفلاسفة المؤثرين من اللاهوتيين.

يقول آرمسترونغ، في كتابه: «مدخل إلى الفلسفة القديمة»، (ص 45): «التراث حين لا يستند إلى الوحي أو العقل قد يكون قوياً قوة هائلة في سيطرته على الإنسان العادي».

ولهذا ننادي بدراسة الفلسفة، وأخذها بقوة، وأن نسيطر عليها، لا أن تسيطر على عقولنا.

أخيراً، هل جاء القرآن الكريم ليحسم المسائل الفلسفية المشكلة، فأخفق المتدين في إيصال نتائج الحسم، فحارب الفلسفة؟

الفلسفة ومسلماتها تقود العقل البشري، وليس العكس، وكل تكوين اجتماعي يتحرك ضمن منظومة فلسفية واحدة اختلط فيها الإلهي بالبشري

نقلاً عن “الوطن”

 

الكاتب
خالد العضاض

عنوان المقال

الفلسفة والعقل البشري

نقلا عن العربية نت

Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
التقيمات المضمنة
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
0
التعليق على هذا المقال - شاركنا رأيك x
()
x

يستخدم موقعنا الإلكتروني ملفات تعريف الارتباط وبالتالي يجمع معلومات حول زيارتك لتحسين موقعنا (عن طريق التحليل) ، وإظهار محتوى الوسائط الاجتماعية والإعلانات ذات الصلة. يرجى الاطلاع على صفحة سياسة الخصوصية الخاصة بنا للحصول على مزيد من التفاصيل أو الموافقة عن طريق النقر على الزر "موافق".

إعدادات ملفات تعريف الارتباط
أدناه يمكنك اختيار نوع ملفات تعريف الارتباط التي تسمح بها على هذا الموقع. انقر فوق الزر "حفظ إعدادات ملفات تعريف الارتباط" لتطبيق اختيارك.

وظائفيستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط الوظيفية. ملفات تعريف الارتباط هذه ضرورية للسماح لموقعنا بالعمل.

وسائل التواصل الاجتماعييستخدم موقعنا الإلكتروني ملفات تعريف الارتباط الخاصة بوسائل التواصل الاجتماعي لعرض محتوى تابع لجهة خارجية مثل YouTube و FaceBook. قد تتعقب ملفات تعريف الارتباط هذه بياناتك الشخصية.

أعلاناتيستخدم موقعنا الإلكتروني ملفات تعريف ارتباط إعلانية لعرض إعلانات الجهات الخارجية بناءً على اهتماماتك. قد تتعقب ملفات تعريف الارتباط هذه بياناتك الشخصية.