آراء متنوعة

العودة إلى الماضي في استنهاض الساحتين الشيعيّة والسنيّة في انتخابات قد تحدث انقلاباً

كشفت الخطابات والتصريحات والدعايات الإعلامية للمسؤولين والسياسيين اللبنانيين حجم فشلهم الحالي، وبحثهم عن فكرة أو قضية لتسويقها، حتى لو كانت تتعارض مع ثقافتهم أو سياساتهم ومواقفهم الحالية. كما عكست مدى افتقار لبنان إلى قيادات وطنية بقيت أفكارها خالدة رغم رحيلها، ورغم جهود من خلفوها لمحوها ولطمس إرثها السياسي والثقافي.

أطل السيد حسن نصر لله على جمهوره في أكثر من مناسبة خلال الأيام الماضية لدعم الحملة الانتخابية لـ”حزب الله” وحلفائه. ولعل ما فاجأ العديد من المراقبين هو ذكره في إحدى كلماته قيادات شيعية دينية راحلة، مثل مرجع التقليد آية الله محمد حسين فضل الله ونائب رئيس مجلس الإسلامي الشيعي الأعلى السابق الشيخ محمد مهدي شمس الدين. فمن عرف هاتين الشخصيتين الوطنيتين والتقاهما في حياتهما (كما كان لكاتب المقالة) يعرف تماماً أنهما كانا من أشد الزعامات الشيعية الدينية الرافضة لولاية الفقيه، ويمانعان بشدة اتباع شيعة لبنان ولاية الفقيه، من منطلق أنه لا يمكن لأي جهة أن تعلم بشؤون شيعة لبنان ومصالحهم أكثر من قياداته الشيعية المحلية. كما أنهما كانا من القيادات التوحيدية التي ترفض كل ما يجيّش المذهبية ويزيد الانقسام بين الشيعة والسنة.

معظم خطابات قادة “حزب الله”، وتحديداً السيد نصر الله، تعلن الولاء للولي الفقيه والتبعية له. كما أن الثقافة التي ينشرها في لبنان عبر إعلامه ومدارسه تدعو إلى تبعية الطائفة للولي الفقيه وأوامره، وبالتالي تطبيق ما يخدم مصالح الجمهورية الإسلامية الإيرانية أولاً وآخِراً. فلماذا اليوم يجد السيد نصر الله نفسه مضطراً لذكر هذه القيادات الشيعية التي لم تتفق معه فكرياً وعقائدياً وثقافياً؟ هل هناك من حراك داخل الطائفة يتوق لقيادات الماضي وثقافتها بعد الحال المزرية التي وصل إليها لبنان وشعبه بكل مذاهبه؟ هل كلامه موجه إلى شباب حركة “أمل” والشباب الشيعي غير المنتمي لأي من الحزبين، وهي المجموعات التي لا تتبع تظرية الولي الفقيه؟

طبعاً لا حلول ولا خطط ولا برامج في الخطابات الحالية لحل المشكلات الاقتصادية والمعيشية المتفاقمة، بل فقط تذكير بأهمية التصويت لحماية السلاح. وطبعاً كلا الراحلين توفيا قبل عام 2011، أي قبل أن ينتقل سلاح المقاومة إلى خارج حدود الوطن، إلى الجبهات في سوريا والعراق واليمن، وبالتالي فإن دعمهما لسلاح المقاومة كان حينها في سياق آخر ولأهداف تختلف عما أصبحت عليها الحال اليوم.

على المقلب الآخر، تبحث الزعامات السنية عن كل الوسائل لتشجيع الشارع السني على التصويت يوم الانتخابات. فهي تستشعر الإحباط الشديد الذي يعيشه أبناء الطائفة نتيجة فشل قياداتهم السنية في الحفاظ على أبناء الطائفة التي باتت مناطقها في شمال لبنان والعاصمة تعج بالفقر الذي يدفع ببعضهم إلى المخاطرة بحياة أسرهم في قوارب الموت، في محاولة للهروب من الجحيم الذي هم فيه. وزاد الطين بلة أن من يسمي نفسه بزعيم الطائفة دعاهم إلى مقاطعة الانتخابات احتجاجاُ على فشله وخروجه – بإرادته أو رغماُ عنه – من الحياة السياسية، وكأنه يقول “لا حياة لكم بعدي أو من دوني”.

لكن هبّة القيادات السنية الأخرى، وتحديداً دار الفتوى، أحدثت دفعاً إيجابياً. إلا أنها لا تكفي من دون حملات إعلامية تحيي الأمل في أبناء الطائفة، وكان اللجوء مجدداً إلى تسجيلات الرئيس الشهيد رفيق الحريري الذي لم يستطع أي ممن خلفوه في رئاسة الحكومات المتعاقبة أن يحققوا جزءاً ولو بسيطاً مما حققه في حياته كزعيم وطني.

وللتذكير فقط، لم يدعُ الرئيس الشهيد أبناء الطائفة إلى مقاطعة الانتخابات عندما أخرج من رئاسة الوزراء، بل على العكس، دعاهم إلى التصويت بقوة. وتسجيلاته التي تنشر اليوم تظهر وكأنه يدعو السنّة إلى التصويت بانتخابات دعا ابنه اليوم إلى مقاطعتها.

فشتان ما بين ثقافة المواجهة وبث الأمل في الأوقات الحرجة، وثقافة الانكفاء واليأس، وهذا بحد ذاته يظهر الفرق الكبير بين أسلوبين مختلفين في القيادة الاستراتيجية، بين قيادي يحدث تحولاً إيجابياً كبيراً في الدولة والمجتمع، وقيادي يحدث انهياراً كبيراً في الدولة والمجتمع.

أهمية الانتخابات النيابية اليوم هي أنها قد تكون الأمل الأخير للعديد من الشباب بالنظام الديموقراطي السلمي لإحداث التغيير المنشود. ومن هنا الهجمة الكبيرة من جزء مهم من الشباب نحو مرشحين جدد ووجوه جديدة وقوى تغييرية. والسؤال الذي يفرض نفسه هو إن كانت قوى السلطة الحاكمة الحالية سترضى بنتائج قد تفقدها الأكثرية نتيجة إقبال كثيف على صناديق الاقتراع؟ ماذا لو أتت الانتخابات بأكثرية من الشخصيات السنية التي تعتبر من الصقور الرافضين بشدة لأي مساومة في موضوع سلاح “حزب الله” أو مشاركة الحزب بأي حكومة؟ فهذا المجلس هو من سينتخب رئيس الجمهورية المقبل، وهو من سيعطي الثقة لأي حكومة مقبلة، وهو من سينتخب رئيسه. فكيف ستكون الحال بوجود مجموعات لا تنتمي إلى أحزاب تقليدية لها باع طويل في المساومات والتنازلات؟

ستشهد الساحة السنية مخاضاً لولادة زعامة جديدة سيكون لها دور محوري في مستقبل البلد. من غير المؤكد أن هذه الانتخابات ستؤدي إلى ولادة سريعة لهذه الزعامة، كونها ستنتج مجموعة وجوه قيادية جديدة ستتنافس جميعها للتربع على العرش. لكن عنوان تنافسها هو التشدد الكبير نحو “حزب الله”. هذا سيضع الحزب في موقع يحاول تجنبه لأنه قد يؤدي في نهاية الأمر إلى رد فعل خطير. فالحزب لن يتخلى عن سلاحه ولن يسمح لأي حكومة بأن تحكم من دون مشاركته، وبالتالي فالتأزم الداخلي سيستمر وقد يتصاعد، ما سيؤثر في قرارات متعلقة بحلول للأوضاع الاقتصادية والمعيشية السيئة في البلد. وهذا السيناريو سيكون أكثر واقعية وصعوبة إذا ما أفرزت الانتخابات أكثرية مسيحية معارضة لسلاح “حزب الله”. فهل لبنان مقبل على انقلاب عبر الانتخابات؟ أم أن النظام اللبناني الطائفي والمذهبي والمبني على المحاصصات سيدجّن ويفسد النواب الجدد وتكون عوداً على بدء؟

نقلا عن “النهار”

 

الكاتب
رياض قهوجي

عنوان المقال

العودة إلى الماضي في استنهاض الساحتين الشيعيّة والسنيّة في انتخابات قد تحدث انقلاباً

نقلا عن العربية نت

Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
التقيمات المضمنة
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
0
التعليق على هذا المقال - شاركنا رأيك x
()
x

يستخدم موقعنا الإلكتروني ملفات تعريف الارتباط وبالتالي يجمع معلومات حول زيارتك لتحسين موقعنا (عن طريق التحليل) ، وإظهار محتوى الوسائط الاجتماعية والإعلانات ذات الصلة. يرجى الاطلاع على صفحة سياسة الخصوصية الخاصة بنا للحصول على مزيد من التفاصيل أو الموافقة عن طريق النقر على الزر "موافق".

إعدادات ملفات تعريف الارتباط
أدناه يمكنك اختيار نوع ملفات تعريف الارتباط التي تسمح بها على هذا الموقع. انقر فوق الزر "حفظ إعدادات ملفات تعريف الارتباط" لتطبيق اختيارك.

وظائفيستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط الوظيفية. ملفات تعريف الارتباط هذه ضرورية للسماح لموقعنا بالعمل.

وسائل التواصل الاجتماعييستخدم موقعنا الإلكتروني ملفات تعريف الارتباط الخاصة بوسائل التواصل الاجتماعي لعرض محتوى تابع لجهة خارجية مثل YouTube و FaceBook. قد تتعقب ملفات تعريف الارتباط هذه بياناتك الشخصية.

أعلاناتيستخدم موقعنا الإلكتروني ملفات تعريف ارتباط إعلانية لعرض إعلانات الجهات الخارجية بناءً على اهتماماتك. قد تتعقب ملفات تعريف الارتباط هذه بياناتك الشخصية.