البطريرك ساكو حامل وجع مسيحيّي العراق: “هذه الأرض أمّنا ويجب ألا نستسلم”

البطريرك ساكو حامل وجع مسيحيّي العراق: “هذه الأرض أمّنا ويجب ألا نستسلم

  • هالة حمصي
  • المصدر: “النهار”
  • 5 آذار 2019 | 16:08

البطريرك ساكو ملقيا عظة خلال قداس في اربيل بالعراق (صورة ارشيفية، 6 ك1 2014، أ ف ب).

الملف الذي يحمله ثقيل، بوزن دهر مغموم. وجع المسيحيّين. والوجع يمتد من العراق، كلّ العراق، الى سوريا ولبنان. #بطريرك_الكلدان الكاثوليك الكاردينال #لويس_ساكو لا يخفي ان “عدد #المسيحيين الى تراجع في المنطقة العربية، خصوصا في #العراق وسوريا، بسبب كل هذه الصراعات والحروب التي تشهدها، وايضا بسبب القاعدة وداعش”. صحيح ان المستقبل “يتعلق بالمسيحيين انفسهم”، على قوله، و”لكن ايضا بالمسلمين”.

من الاوّل، يشدد على اهمية دور المسلمين في “رفع حاجز الخوف عن المسيحيين”. والتمني “الا يتعاملوا مع المسيحيين معاملة اهل ذمة ومشركين وكفار. هذه الادبيات القديمة يجب ان تنتهي”، على قوله. ومن شأن ذلك، في رأيه، ان “يشعر المسيحيون بان هذا البلد بلدهم، وهذه الارض ارضهم، وتاريخها تاريخهم”.

الدنيا “دوارة”، بتعبير البطريرك. فمن كانوا في الماضي “غالبية قبل مجيء الاسلام”، اصبحوا اليوم “اقلية”. ايا يكن، فإن الافكار التي يؤمن بها وينادي بها في لقاءاته واجتماعاته، ثابتة. احترام الشخص “ايا يكن دينه”. المواطنون “متساوون”. “يجب احترام بعضنا البعض، في الاختلاف”، “المصير مشترك”. وايضا “على دول المنطقة ان تغيّر الدساتير والقوانين، كي لا تتضمن اجحافا او اقصاء او تمييزا على اساس الدين او الطائفة”. وفوق كل هذا، “يجب ان يشعر كل المواطنين بالمساواة بينهم في الحقوق والواجبات”.

منعطف خطير

في 28 شباط 2019، وصل البطريرك ساكو الى بيروت، آتيا من بغداد، في زيارة للبنان استمرت اياما عدة، شارك خلالها في مؤتمر المكتب الاقليمي لكاريتاس في منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا بعنوان: “خدمة الخير العام في اطار بيئة تعددية”. وكانت مناسبة لمصارحة اترابه البطاركة والاساقفة بـ”أننا اليوم في منعطف دقيق وخطير بسبب استمرار بؤر التوتر في المنطقة”. “الوضع الحالي للمسيحيين في الشرق صعب. ويبدو ان وجودهم التاريخي مهدد اذا لم يتغير شيء ايجابي على ارض الواقع”.

“مضايقات”، “اضطهادات”… صحيح ان “لغة تكفير المسيحيين تراجعت كثيرا”، على قول البطريرك، الا “اننا نسمعها من وقت الى آخر في خطب شيوخ مسلمين”. في عيد رأس السنة الجديدة، على سبيل المثال، “سمعنا خطابا سنيا وشيعيا يطلب من المسلمين عدم تهنئة المسيحيين بالعيد، لانهم كفار. وهذا عيب، عيب، وغير مقبول”. في المقابل، حصل “تقارب مع مرجعيات دينية اسلامية سنية وشيعية، ونجتمع بها. في 7 آذار الجاري، نلتقي معا في كربلاء للبحث في هذا الأمر وللمتابعة. هناك تعاون كبير”.

البطريرك ساكو “متفائل” تجاه المنحى الذي يسلكه التعاون المسيحي- الاسلامي، لا سيما في العراق. فرص تعزيز هذا التقارب موجودة. “الاسلام من دون المسيحيين، ومن دون حوار مع العالم المعاصر لا مستقبل له. اذا بقي يعيش في ظل ادبيات قديمة، كيف يمكن ان يخاطب انسان اليوم الذي يحتاج الى الحداثة؟” ويتدارك: “القوانين، أكانت لدى المسيحيين ام المسلمين، يجب تجديدها لتصبح قادرة على مخطابة مجتمع ومعالجته. وبالتالي، الفقه الاسلامي يجب ان يكون مجتمعيا، مرتبطا بانسان هذا الزمن، ويدله على سواء السبيل…”.

علامات

جريحة كنيسة البطريرك، نازفة. تنزف شعبا وناساً… قبل سنوات عدة من سقوط نظام صدام حسين، كان مجموع المسيحيين في العراق نحو مليون ونصف مليون. “اما اليوم، فيكاد يصل الى نحو نصف مليون، بينهم نحو 350 الف- 400 الف كلداني”، على ما يفيد. العودة الى الارض يلمسها ميدانيا. “100 عائلة عادت الى الموصل، ورممنا كنائسنا هناك، الى جانب بلدات سهل نينوى، وهي تسعة، باستثناء بطنايا، لاسباب امنية. من اصل نحو 22 الف عائلة مسيحية، عادت نحو 16 الفا الى بلدات قراقوش، برطلة، كرمليس، بعشيقة وبحزاني، تللسقف، باقوفا، وتلكيف”.

“علامات” يقرأها البطريرك ساكو في هذه العودة المسيحية. هذه الهجرة القسرية كانت “هجرة تفكير، رجاء، ونضوج. صحيح انها مؤلمة جدا، الا ان ثمة نضوجا ورجاء فيها. اليوم، هناك فرح العودة والاعمار”… والتمني ان “تقوى هذه العودة”. في هذه الاقلية الباقية، يرى ما يسميه “ديناميكية في الارتباط والعمل وبناء العراق وتعزيز الثقة مع الجيران المسلمين، واستعادة العلاقة والصداقة”.

 

البطريرك ساكو محتفلا بالقداس في كاتدرائية الملاك روفائيل للكلدان في بعبدا (صفحة مطرانية بيروت الكلدانية في الفايسبوك).

العائدون من الكلدان ومن بقوا في ارضهم يرعاهم حاليا، الى جانب البطريرك، نحو 70 كاهنا”، على ما يفيد. 8 ابرشيات للكلدان في العراق، و”لدينا عدد قليل من الرهبان، ونحو 200 راهبة من مختلف الرهبانيات النسائية. ولدينا ايضا جماعة الخدمة التي تضم خريجين من كليات بابل للاهوت. بالطبع نحتاج الى كهنة اكثر فير المستقبل. ونهتم جدا بالدعوات، لان قوة الناس هي ايضا في الكهنة. وجود الكهنة يبعث على الاطمئنان، لما يمثلونه من مرجعية روحية واجتماعية”.

تنظيم شؤون الكنيسة اخذه على عاتقه البطريرك، منذ تنصيبه عام 2013. المشكلة المتعلقة برفض بعض الكهنة والرهبان العودة الى اديارهم ورعاياهم في العراق، بطلب من البطريرك، بعدما التحقوا بابرشيات في الاغتراب، تمت معالجتها. “معظمهم عادوا. وبين الرافضين، واحد انضم الى الكنيسة الانغليكانية، واثنان طردناهما من الكنيسة. والبقية ملتزمون”، على قوله.

لمفاجأة البطريرك، “ابدى كهنة او طلاب في الخارج رغبتهم في المجيء الى العراق، ليتعرفوا اكثر الى التراث الكنسي الكلداني وتعزيز لغتهم العربية”. الى جانب “التنشئة المستدامة التي تجمع الاساقفة والكهنة في عنكاوا للتحاور والتشارك في الصلاة”، يجتمع ايضا سينودس الكنيسة، “واساقفته الـ20 متوافقون، قرارهم موحد، ولدينا حرية في التعبير، ولا انقسامات”.

داعش” انتهى

ماذا بعد تنظيم “الدولة الاسلامية”؟ بالنسبة الى البطريرك، “داعش انتهى عسكريا. واليوم، بدأ ينتهي فكريا”. ما يراه هو “وعي لدى العالم الاسلامي لهذا الفكر المتطرف الجامد، ورفضه له… بدأ المسلمون يشعرون بان لا مستقبل مع هذا الفكر”. مؤتمرات ازهرية طرحت المشكلة، وشارك فيها. وثيقة “الاخوة الانسانية” التي وقعها البابا فرنسيس مع شيخ الازهر أحمد الطيب في الامارات العربية “هي رفض لداعش في نهاية الامر، او تجفيف للفكر الداعشي”، على قوله.

 

مع البابا فرنسيس في الفاتيكان (صورة ارشيفية، 2014، موقع بطريركية بابل للكلدان).

ما حصل في الامارات بادرة خير كبيرة يقرأ فيها البطريرك منحى مختلفا لدى المسلمين. “كأن المفاهيم الاسلامية الخاطئة تجاه المسيحيين لم تعد موجودة، ونأمل في ذلك”. الزيارة التاريخية للبابا فرنسيس لهذا البلد الخليجي “انعكست نتائجها علينا جميعا”، على قوله. عندما التقى البابا قبل فترة في روما، لمس لديه “تأثرا كبيرا” بما نتج من هذه الزيارة البابوية. “شكرته، وتمنيت عليه ان يزور دولا عربية اخرى، كي يتابع تحركه هذا”.

في المرحلة المقبلة، “سيكون هناك شيء من استقرار”، وفقا لتوقعات البطريرك، مبديا اعتقاده ان “الدول العربية بدأت تدرك ان اللغة الوحيدة التي يجب ان تسود هي لغة الحوار والتفاهم. والامر يحتاج الى وقت”. الامر يحتاج ايضا الى مزيد من الحوارات، الاسلامية- الاسلامية، والاسلامية –المسيحية. “المسؤولية مشتركة، ومصيرنا واحد”، وفقا له.

ماذا تقول للمسلمين خصوصا؟ يجيب: “صوت الله هو الرحمة والمحبة. واليوم، نحن واياكم في قارب واحد في الشرق. ومن دون بعضنا البعض، سيغرق القارب. وغرق القارب مسؤولية كبيرة تقع على الغالبية. دعوتي اليهم ان ينفتحوا ويعيشوا ايمانهم كما يريدون، ولكن من الضروري ان يدعوا الآخرين يعيشون ايمانهم، تطبيقا للقول: الدين لله، والوطن للجميع، اكانوا مسلمين ام مسيحيين، مؤمنين ام غير مؤمنين”.

من بنات افكاره، القيام بحملة تعبوية لاحياء الحوار المسيحي- المسيحي انطلاقا من مبادىء الانجيل ومتطلبات الحاضر، تعزيز الحوار المسيحي- الاسلامي الصادق والجريء لمواجهة التطرف والارهاب، تنشيط لاهوت الرجاء لدى المهجرين والمهاجرين المسيحيين…

التمسك بالايمان والارض

نحو 3300 كلداني عراقي مهجّر لجأوا الى لبنان. خلال زيارته اللبنانية، احتفل مع عدد منهم ومن ابناء الكنيسة في لبنان، بالقداس في كاتدرائية الملاك روفائيل للكلدان في بعبدا. “نساعد مهجرينا، حيثما وجدوا”، على قوله. اجبارهم على العودة الى العراق لا يؤيده. “نحترم قرارهم. واذا ارادوا العودة الى العراق، نكون سعداء للغاية. والكنيسة مستعدة لشراء تذاكر السفر لهم، ونحاول العمل مع الحكومة لاعادتهم الى وظائفهم”.

لا خوف في العراق. “الوضع تحسن كثيرا”، على ما يؤكد. بالنسبة الى الراغبين في الهجرة الى الخارج ليجتمعوا بعائلاتهم هناك، “نحن لا نستطيع ان نضغط على السفارات لتقبل طلباتهم. الهجرة قرار شخصي. ويتحمّلون هم المسؤولية”.

“بعد شهرين”، قد يعود البطريرك ساكو الى لبنان. وسيواصل “تفقد ابناء الكنيسة” والاطلاع على حاجاتهم لمساعدتهم. أكانوا في لبنان ام العراق، “اريد ان اساعدهم من كل قلبي”، على ما يؤكد. كلمة من القلب يوجهها اليهم. “تمسكوا بإيمانكم وهويتكم المسيحية. صحيح اننا نعيش الما واضطهادا، كذلك عانى اجدادنا وضحوا من اجل ايمانهم. واليوم دورنا. ولدينا رسالة تجاه اخوتنا المسلمين. كذلك، ادعوكم الى التمسك ببلدكم ووطنكم. هذه الارض امنا، وهويتنا. ويجب الا نستسلم او ننسحب او نتنكر اذا واجهتنا مشاكل او تحديات”.

 

 

الخبر نقلا عن موقع البطريركية الكلدانية

 

شاهد أيضاً

راهبات الكلدان بروما يحتفلن بمرور خمسين سنة على تأسيس مركزهم “مار يوسف”

راهبات الكلدان بروما يحتفلن بمرور خمسين سنة على تأسيس مركزهم “مار يوسف”   اعلام البطريركية   …

اترك تعليق

  Subscribe  
نبّهني عن