اخبار الكنيسة الكلدانية

البابا في مقابلته العامة: إن الله، على مِثلَ يعقوب، سيُفاجئنا يومًا في لحظة لا نتوقعها

البابا في مقابلته العامة: إن الله، على مِثلَ يعقوب، سيُفاجئنا يومًا في لحظة لا نتوقعها

البابا في مقابلته العامة: إن الله، على مِثلَ يعقوب، سيُفاجئنا يومًا في لحظة لا نتوقعها
تكلم قداسة البابا فرنسيس عن صراع يعقوب مع ملاك الله في إطار تعليمه حول موضوع الصلاة.
أبونا :

 

(قراءة من سفر التكوين 32، 25-30)

 

“وبَقِيَ يَعْقوبُ وَحدَه. فصارَعَه رَجُلٌ إِلى طُلوعِ الفَجْر. […] وقال: اِصرِفْني، لأَنَّه قد طَلَعَ الفَجْر. فقالَ يَعْقوب: لا أَصرِفُكَ أَو تُبارِكَني. فقالَ له: ما اَسمُكَ؟ قالَ: يَعْقوب. قال: لا يَكونُ آسمُكَ يَعْقوبَ فيما بَعْد، بل إِسْرائيل، لأَنَّكَ صارَعتَ اللهَ والنَّاسَ فغَلَبتَ. وسأَلَه يَعْقوبُ قال: عَرِّفْني اَسمَكَ. فقال: لِمَ سُؤَالُكَ عنِ اَسْمي؟، فبارَكَه هناك”.
 

أيّها الإخوة والأخوات الأعزّاء، صباح الخير!

 

نتابع التعليم المسيحي في موضوع الصلاة. يروي لنا سفر التكوين، من خلال أحداث رجال ونساء من العصور القديمة، عن قصص يمكننا أن نرى فيها وكأنها مرآة لحياتنا. في دائرة الآباء نجد الرجل الذي جعل من الخدعة والمهارة أفضل مواهبه. إنّه يعقوب. يروي لنا الكتاب المقدس عن العلاقة الصعبة بين يعقوب وأخيه عيسو. منذ كانوا صغارًا، كان بينهما تنافس، ولن يتخطوا هذا التنافس فيما بعد. يعقوب هو الابن الثاني –كانا توأمان- لكن بالخداع تمكن من أخذ نعمة البكوريّة وبركة والده إسحاق (را. تك 25، 19-34). إنّها فقط أوّل حيلة في سلسلة من الحيل الكثيرة التي أستطاع أن يقوم بها هذا الرجل القدير والمتحرر من كل القيود.حتى اسم “يعقوب” يعني من يتمتع بالمهارة في الحركة.

 

أُجبر على الفرار من وجه أخيه، ويبدو أنّه نجح في حياته في كل مساعيه. إنّه ماهر في العمل: فاغتنى وأصبح صاحب ماشية كثيرة. بعناده وصبره تمكن من الزواج من أجمل بنات لابان، التي أحبّها حبًّا شديدًا. يعقوب – يمكن أن نقول بلغتنا الحديثة – هو رجل “صنع نفسه بنفسه”، وبمهارته وبراعته تمكن من اكتساب كل ما أراد.ولكن كان ينقصه شيئًا ما. كان يفتقر إلى العلاقة الحية مع جذوره.

 

وسمع يومًا نداء البيت، وطنِه القديم، حيث كان عيسو ما زال يعيش، وهو أخوه الذي كان دائما على علاقة سيئة معه. انطلق يعقوب وقام برحلة طويلة مع قافلة كبيرة من الناس والحيوانات، حتى وصل إلى المحطة الأخيرة، في وادي يَبُّوق. هنا يقدم لنا سفر التكوين صفحة بليغة لا تُنسَى (را. 32، 23-33). يروي سفر التكوين أنّ أبانا يعقوب، بعد أن جعل كل مرافقيه وكل الماشية يعبرون الوادي، وكانوا كثيرين، بقي وحده على الضفة الغِرِيبة وأخذ يفكر في ما ينتظره في غداة اليوم التالي؟ ماذا سيكون موقف أخيه عيسو الذي سرق منه البكوريّة؟  كان في ذهنه زوبعة من الأفكار… وفجأة مع حلول الظلام، أمسك به رجلٌ مجهول وبدأ يصارعه. يقول كناب التعليم المسيحي: “رأى التقليد الكنسي في هذه الرواية رمزًا للصلاة، على أنها معركة الإيمان، وانتصار الثبات” (التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، 2573).

 

صارع يعقوب طوال الليل، ولم يترك خصمه ينصرف. في النهاية هُزِم، إذ ضربه خصمُه في حُقّ وَرِكِه، ومنذ ذلك الحين سيصبح أعرجَ مدى الحياة. سأل ذلك المصارع المجهول يعقوب عن اسمه وقال له: “لا يَكونُ اسمُكَ يعقوبَ في ما بَعْد، بل إِسْرائيل، لأَنَّكَ صارَعتَ اللهَ والنَّاسَ فغَلَبتَ” (آية 29). وكأنه يقول: لن تكون أبداً الرجل الذي يسير هكذا، بل الرجل المستقيم. غيّر الله له اسمه وحياته وسلوكه؛ “سوف تُدعى إسرائيل”. ثم سأله يعقوب: “عَرِّفْني اَسمَكَ”. لكنه لم يكشف له عن اسمه، بدل ذلك باركه. فأدرك يعقوب أنه قابل الله “وجْهاً إلى وجْه” (را. الآيات 30-31).

 

مصارعة الله: هذه صورة مستعارة للصلاة. في أوقاتٍ أخرى، ظهر يعقوب قادرًا على الحوار مع الله، والشعور به حاضرًا حضورَ صديقٍ وقريب. ولكن في تلك الليلة، من خلال صراعٍ استمر فترةً طويلة وجعله يستسلم تقريبًا، خرج يعقوب متغيرًا. تغيّر اسمه وأسلوب عيش حياته وشخصيته. لقد خرج متغيرًا. لمرّة واحدة، لم يعد سيد الموقف، لم تعد مهارته تفيد، ولم يعد الرجل الماهر وصاحب الخطط. أعاده الله إلى حقيقته: إنسانٌ فانٍ يرتعد ويخاف، لأن يعقوب كان خائفًا عندما صارع الله. لمرّة واحدة، لا يملك يعقوب ما يقدمه لله سوى ضعفه وعجزه وأيضًا خطاياه. هذا هو يعقوب الذي نال البركة من الله، وبها دخل أرض الميعاد وهو يعرج: كان ضعيفًا ومجروحًا، ولكن بقلب جديد. مرةً سمعت رجلاً عجوزاً يقول – كان رجلًا صالحًا، ومسيحيًا صالحًا، ولكن خاطئًا يثق بالله للغاية: “الله سيساعدني. لن يتركني لوحدي. سأدخل الفردوس، وأنا أعرج، ما زلت أعرج لكنني سأدخل. في الماضي، كان يعقوب واثقًا من نفسه، ومعتمداً على مهارته. كان رجلاً مُغلقًا دون النعمة، ومقاومًا للرحمة. لم يكن يعرف ما هي الرحمة. “أنا هنا، وأنا أحكم!”، لم يعتقد أنه بحاجة إلى الرحمة. لكن الله أنقذ ما كان ضائعًا. لقد جعله الله يفهم أنّه محدود وخاطئ وانّه بحاجة للرحمة وخلّصه.

 

لنا جميعًا موعدٌ في الليل مع الله، في ليلة حياتنا، في ليالي حياتنا العديدة: في لحظات مظلمة، وفي لحظات الخطايا، وفي لحظات الضياع. فيها دائمًا موعد مع الله. سوف يفاجئنا في لحظة لا نتوقعها، وسنجد أنفسنا فيها وحدَنا حقًا. في تلك الليلة نفسها، سنقاتل المجهولَ، وسندرك أننا لَسْنا سوى أناس فقراء. أسمح لنفسي أن أقول إننا مساكين. ولكن، في ذلك الوقت، في اللحظة التي نشعر فيها أننا مساكين، يجب ألا نخاف: لأن الله في تلك اللحظة سيعطينا اسمًا جديدًا، يتضمَّن معنى حياتنا كلها، وسيغيّر قلبنا، وسيعطينا بركة مخصصة لمن يترك نفسه تتبدَّل بنعمة الله.إنها دعوة جميلة لكي نسمح لله أن يغيّرنا وهو يعرف كيف يقوم بذلك لأنّه يعرف كلّ واحد منا. “يا ربّ، أنت تعرفني”، يمكن لكل واحد منا أن يقوله. “يا ربّ، أنت تعرفني. غيّرني”.

 

 المصدر

0 0 تصويت
1 تقييم المقال 5
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
التقيمات المضمنة
عرض جميع التعليقات

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
0
التعليق على هذا المقال - شاركنا رأيك x
()
x