آراء متنوعة

الإنهاك المستمر.. المخدرات والضرائب والتطرف

( 1 )

انتشار المخدرات بين الشباب، ومنهم صِبية صغار، بات مفزعًا. هل تعتقد السلطة أن الخطر لا يأتى سوى من إرهاب تم إخماده؟.. سبق أن برهنت على أن الفساد أخطر من الإرهاب. أما المخدرات بهذه النوعية المصنعة التى تدمر كل شىء فى متعاطيها، جسده وعقله ومشاعره، فهى أخطر من الاثنين. لابد من وقفة قبل فوات الأوان.

(2 )

‏أى فلاح مصرى بسيط يعرف تماما، بفطرته وخبرته، أن البقرة يجب أن تأكل جيدًا قبل حلبها، أما عدم الالتفات إلى طعامها أو اعتباره مكلفا ويمثل عبئا، ثم الإصرار فى الوقت نفسه على حلب ضرعها مرات ومرات كل يوم بلا تمهل ولا رحمة، فهو أمر غاية فى الغرابة والعجب والقسوة، ونتيجته معروفة وهى: نضوب الحليب، وقد تموت البقرة أو تنطح.

( 3)

غريب أمر هذا الذى يمشى على الأرض هونًا، مثقلًا بتواضعه، كيف كلما مر بأهل الكِبر والسطوة، شمخ بأنفه وجهر بما جعلهم ينكمشون فى أماكنهم حائرين، فقال: لا شىء يستعبد الإنسان أكثر من سعار شهوات المال والبطن والفرج والصيت والمنصب، لكن العزيز يسمو ويركل بقدميه كل ما معهم من فخاخ لاصطياده.

( 4 )

بين الأولياء والأدعياء خيط سميك، لكنه يخفّ كثيرًا فى أعين المتعجلين، الذين تخدعهم مزاعم من يحتكر الكلام ويظن أن كل شىء قد دان له. لا ولاية لمن يلح فى إعلانها ويجبر الناس على الاعتراف بها، فالأولياء حقًا يحرصون على ألا يكشف أحد ما هم عليه، يخبئون فى صدروهم النور، وحين يشع منها ويغمر كل شىء، يقولون لمن يراه: نور قادم من مكان بعيد.

( 5)

صحراء لا ينبت فيها سوى القلق. تتقافز الآلام فوق الصخر المسنون. تترامى أصوات مجروحة، موزعة بين الهدى والضلال، لتملأ أذنىّ هذا الرجل الذى يمضى مجردًا من كل شىء سوى خطواته التى تتتابع على الرمل دون أن تترك أثرًا. لا يسأله أحد إلى أين هو ذاهب. ولا يعرف هو إجابة، لكنه يمضى نحو النهاية المحتومة.

( 6)

على أبواب أيامهم الشاحبة الذاهبة ينتظرون هذا السيد الجسور، فى يُمناه ميزان من نور، وفى يسراه ترياق يسع الأرض طولًا وعرضًا، يضمد به جراح المغلوبين والمتعبين والمظلومين، ولا يشغله أن يسمع من أحدهم ثناءً ولا شكورًا.

(7 )

كثيرة هى المقالات والدراسات والأبحاث التى أُجريت حول الإعلام الذى تطلقه التنظيمات الإرهابية، المسموع والمرئى والمقروء والإلكترونى منه، واصفة وشارحة وناقدة وجالدة شكل رسالتها الإعلامية ومضمونها، ومحددة أدواتها ومن يشكلها ويصوغها ويطلقها ويتابعها، ثم الأثر الذى تتركه على المجتمع فى العموم، وعلى جمهور هذه التنظيمات وأنصارها بوجه خاص.

لكن فى الحقيقة لا يقف إعلام هذه التنظيمات عند حد هذه الرسالة المباشرة، إنما هو مشبع بالعلامات أو الدلالات الأخرى، وبعضها أكثر ديمومة وأعمق تأثيرا من الحديث المباشر، سواء كان يدغدغ المشاعر أو يثير غريزة الانتقام والتشفى، أو يحاول إقناع العقول بإلباس خطابه لبوسا عقائديا عبر جعل الدين «مادة استعمالية» تستغل بعناية ومكر وإصرار شديد على هذا الدرب.

فهذه التنظيمات الإرهابية واعية تماما لمسألة توظيف الرموز والإشارات والألوان والصور فى الدفاع عن تصورها، وجذب الأتباع إليها، وتوسيع مساحات التعاطف معها لخلق مجال عام أو محيط اجتماعى، إن لم يساندها فإنه على الأقل لن يعترضها، وهو ما يعد مكسبا لها فى حد ذاته، لأنها تراهن كجزء من استراتيجيتها بالطبع على أن يقف عموم الناس على الحياد، مخلين بين هذه التنظيمات والقوى السياسية والاجتماعية والأمنية الفاعلة، والتى يدرك المتطرفون والإرهابيون أنها تقف حجر عثرة أمام وصولهم إلى السلطة.

من هنا يكون ضروريا أن يتم السعى إلى توضيح مدى ومقدار ومستوى السيمائية فى الخطاب والممارسة الإعلامية للتنظيمات الإرهابية من قبيل الشعارات التى تطلقها، والأيقونات التى تقدمها، والرايات التى ترفعها، ولغة الجسد الظاهرة فى إطلالاتها، والزى الذى يرتديه أتباعها، والهيئة التى يظهرون بها، والصور التى تصدرها.

إننا يجب أن نمضى وصفا وتحليلا خلف الجانب الصامت فى إعلام زاعق فج، له أدواته التى عرفناها وألفنا أسماءها من كثرة إلحاحها على الأسماع والأبصار، لكنه صمت أبلغ من كلام، وربما تكون إشارة أكثر تأثيرا من عبارة أو صورة تغُنى عن آلاف الكلمات.

إن العلامات فى خطاب المتطرفين ظاهرة للعيان، ويبدو أنهم واعون لها وحريصون عليها، وإلا ما كانوا قد سعوا إلى تمييز أنفسهم فى المظهر عن سائر أفراد المجتمع، وترصيع كلامهم بعبارات مكرورة، يكاد الدارس أو حتى المخالط والمتابع لهم، يميز بين تنظيم وآخر من خلال هذه الجمل التى تشكل شفرات أو مفاتيح للتعرف عليهم، وفهم جانب من أفكارهم وتوجهاتهم، وكذلك الهيئة أو الشكل الخارجى أحيانا متمثلا بالطبع فى الزى.

* نقلا عن “المصري اليوم”

جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

 

الكاتب

عمار علي حسن

عنوان المقال

الإنهاك المستمر.. المخدرات والضرائب والتطرف

نقلا عن العربية نت

Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
التقيمات المضمنة
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
0
التعليق على هذا المقال - شاركنا رأيك x
()
x

يستخدم موقعنا الإلكتروني ملفات تعريف الارتباط وبالتالي يجمع معلومات حول زيارتك لتحسين موقعنا (عن طريق التحليل) ، وإظهار محتوى الوسائط الاجتماعية والإعلانات ذات الصلة. يرجى الاطلاع على صفحة سياسة الخصوصية الخاصة بنا للحصول على مزيد من التفاصيل أو الموافقة عن طريق النقر على الزر "موافق".

إعدادات ملفات تعريف الارتباط
أدناه يمكنك اختيار نوع ملفات تعريف الارتباط التي تسمح بها على هذا الموقع. انقر فوق الزر "حفظ إعدادات ملفات تعريف الارتباط" لتطبيق اختيارك.

وظائفيستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط الوظيفية. ملفات تعريف الارتباط هذه ضرورية للسماح لموقعنا بالعمل.

وسائل التواصل الاجتماعييستخدم موقعنا الإلكتروني ملفات تعريف الارتباط الخاصة بوسائل التواصل الاجتماعي لعرض محتوى تابع لجهة خارجية مثل YouTube و FaceBook. قد تتعقب ملفات تعريف الارتباط هذه بياناتك الشخصية.

أعلاناتيستخدم موقعنا الإلكتروني ملفات تعريف ارتباط إعلانية لعرض إعلانات الجهات الخارجية بناءً على اهتماماتك. قد تتعقب ملفات تعريف الارتباط هذه بياناتك الشخصية.